فهرس الكتاب

الصفحة 1676 من 4997

جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) [الأنعام:162 - 165] » ..

هذا التعقيب كله،الذي يؤلف مع مطلع السورة لحنا رائعا باهرا متناسقا،هو تعقيب ينتهي به الحديث عن قضية الذبائح والنذور والثمار،وما تزعمه الجاهلية بشأنها من شرائع،تزعم أنها من شرع اللّه افتراء على اللّه .. فأية دلالة يعطيها هذا التعقيب؟ إنها دلالة لا تحتاج بعد ما سبق من البيان إلى مزيد ..

«قُلْ:إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..

إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر،ويشي بالثقة،ويفيض باليقين .. اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية،والثقة بالصلة الهادية .. صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية .. والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم،الذي لا التواء فيه ولا عوج: «دينا قيما» .. وهو دين اللّه القديم منذ إبراهيم. أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب: «ملة إبراهيم حنيفا،وما كان من المشركين» . «قُلْ:إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ. وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» ..

إنه التجرد الكامل للّه،بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة. بالصلاة والاعتكاف. وبالمحيا والممات. بالشعائر التعبدية،وبالحياة الواقعية،وبالممات وما وراءه.

إنها تسبيحة «التوحيد» المطلق،والعبودية الكاملة،تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات،وتخلصها للّه وحده. للّه «رب العالمين» .. القوام المهيمن المتصرف المربي الموجه الحاكم للعالمين .. في «إسلام» كامل لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية لا يعبدها للّه،ولا يحتجز دونه شيئا في الضمير ولا في الواقع .. «وبذلك أمرت» .. فسمعت وأطعت: «وأنا أول المسلمين» .

« قُلْ:أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا،وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيء،وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها،وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى،ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ؟» ..كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية .. ثم تظللها كلها بربوبية اللّه الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل وتعبدها كلها لحاكمية اللّه المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة.

ثم تعجب في استنكار: «أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيء» ؟ أغير اللّه أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن علي ويقومني ويوجهني؟ وأنا مأخوذ بنيتي وعملي،محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية؟ أغير اللّه أبغي ربا. وهذا الكون كله في قبضته وأنا وأنتم في ربوبيته؟

أغير اللّه أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره؟ «ولا تكسب كل نفس إلا عليها،ولا تزر وازرة وزر أخرى؟» ..

أغير اللّه أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعا فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت