أغير اللّه أبغي ربا،وهو الذي استخلف الناس في الأرض،ورفع بعضهم فوق بعض درجات في العقل والجسم والرزق ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون؟
أغير اللّه أبغي ربا،وهو سريع العقاب،غفور رحيم لمن تاب؟
أغير اللّه أبغي ربا،فأجعل شرعه شرعا،وأمره أمرا،وحكمه حكما. وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة وكلها شاهدة وكلها هادية إلى أن اللّه وحده هو الرب الواحد المتفرد؟؟؟
إنها تسبيحة التوحيد الرخية الندية يتجلى من خلالها ذلك المشهد الباهر الرائع. مشهد الحقيقة الإيمانية،كما هي في قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو مشهد لا يعبر عن روعته وبهائه إلا التعبير القرآني الفريد ..
إنه الإيقاع الأخير في السياق الذي استهدف قضية الحاكمية والشريعة يجيء متناسقا مع الإيقاعات الأولى في السورة،تلك التي استهدفت قضية العقيدة والإيمان من ذلك قوله تعالى: «قُلْ:أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ؟ قُلْ:إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ،وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ:إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ،وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ» ..وغيرها في السورة كثير ..
ولا نحتاج أن نكرر ما قلناه مرارا من دلالة هذه المثاني التي تردد في المطالع والختام. فهي صور متنوعة للحقيقة الواحدة .. الحقيقة التي تبدو مرة في صورة عقيدة في الضمير. وتبدو مرة في صورة منهج للحياة ..وكلتا الصورتين تعنيان حقيقة واحدة في مفهوم هذا الدين ..
ولكننا نتلفت الآن - وقد انتهى سياق السورة - على المدى المتطاول،والمساحة الشاسعة،والأغوار البعيدة .. تلك التي تتراءى فيها أبعاد السورة - ما سبق منها في الجزء السابع وما نواجهه منها في هذا الجزء - فإذا هو شيء هائل هائل .. وننظر إلى حجم السورة،فإذا هي كذا صفحة،وكذا آية،وكذا عبارة .. ولو كان هذا في كلام البشر ما اتسعت هذه الرقعة لعشر معشار هذا الحشد من الحقائق والمشاهد والمؤثرات والموحيات في مثل هذه المساحة المحدودة! .. وذلك فضلا على المستوي المعجز الذي تبلغه هذه الحقائق بذاتها،والذي يبلغه التعبير عنها كذلك ..
ألا إنها رحلة شاسعة الآماد،عميقة الأغوار،هائلة الأبعاد هذه التي قطعناها مع السورة .. رحلة مع حقائق الوجود الكبيرة .. رحلة تكفي وحدها لتحصيل «مقومات التصور الإسلامي» ! حقيقة الألوهية بروعتها وبهائها وجلالها وجمالها ..وحقيقة الكون والحياة وما وراء الكون والحياة من غيب مكنون،ومن قدر مجهول،ومن مشيئة تمحو وتثبت،وتنشئ وتعدم،وتحيي وتميت،وتحرك الكون والأحياء والناس كما تشاء.