ما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ،إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ. أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا؟ ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ،إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيء،وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ؟ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ،وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» ..
ثم يأمر اللّه رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمهم طبيعة الرسالة وحدود الرسول فيها. وذلك بمناسبة سؤالهم له عن تحديد موعد القيامة التي يخوفهم بها! «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها؟! قُلْ:إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي،لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ،ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً. يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها! قُلْ:إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ،وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. قُلْ:لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا - إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ - وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ. إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» ..
ثم يصور لهم كيف تنحرف النفس - التي أخذ اللّه عليها العهد الذي أسلفنا - عن التوحيد الذي أقرت به فطرتها ويستنكر تصورات الشرك ومعبوداته ويوجه رسوله - صلى الله عليه وسلم - في نهاية هذه الفقرة إلى تحديهم وتحدي آلهتهم العاجزة: «قُلِ:ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا،وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» ..
ومن هنا إلى ختام السورة يتجه السياق إلى خطاب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كما كان افتتاحها خطابا له - كيف يعامل الناس؟ كيف يمضي بهذه الدعوة؟ كيف يستعين على متاعب الطريق؟ كيف يكظم غضبه وهو يعاني من نفوس الناس وكيدهم؟ كيف يستمع هو والمؤمنون معه لهذا القرآن؟ كيف يذكر ربه ويبقى موصولا به؟ كما يذكره من عنده في الملأ الأعلى - سبحانه: « خُذِ الْعَفْوَ،وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ،وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ،إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ،إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ. وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ. وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا:لَوْلا اجْتَبَيْتَها! قُلْ:إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي. هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ،وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ .. إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ،وَيُسَبِّحُونَهُ،وَلَهُ يَسْجُدُونَ» ..
ولعل هذا التلخيص،وهذه المقتطفات الكثيرة من السورة،أن تصور ملامحها الخاصة وتميزها عن أختها سورة الأنعام في هذه الملامح. وفي منهج العرض. مع معالجة موضوع واحد .. موضوع العقيدة ..
وقد أرجأنا كل تفسير للنصوص،وكل تفصيل للموضوع الذي تحمله،إلى المواجهة التفصيلية.