«التطير» في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن اللّه وقدره يزاولونه .. فقد كان الرجل منهم إذا أراد أمرا،جاء إلى عش طائر فهيجه عنه،فإذا طار عن يمينه - وهو السانح - استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده. وإذا طار الطائر عن شماله - وهو البارح - تشاءم به ورجع عما عزم عليه! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي وأحل محله التفكير «العلمي» - العلمي الصحيح - وأرجع الأمور إلى سنن اللّه الثابتة في الوجود وإلى قدر اللّه الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها وأقام الأمور على أسس «علمية» يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده وتوضع في موضعها الصحيح،في اطار المشيئة الإلهية الطليقة،وقدره النافذ المحيط: «أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..إن ما يقع لهم مصدره كله واحد .. إنه من أمر اللّه .. ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء .. وتصيبهم السيئة للابتلاء: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ» .. ويصيبهم النكال للجزاء .. ولكن أكثرهم لا يعلمون .. كالذين ينكرون غيب اللّه وقدره في هذه الأيام باسم «العقلية العلمية» ! وكالذين ينسبون إلى الطبيعة المعاكسة باسم «الاشتراكية العلمية» كذلك!!!
وكلهم جهال .. وكلهم لا يعلمون! ويمضي آل فرعون في عتوهم،تأخذهم العزة بالإثم ويزيدهم الابتلاء شماسا وعنادا: «وَقالُوا:مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ» ..
فهو الجموح الذي لا تروضه تذكرة ولا يرده برهان ولا يريد أن ينظر ولا أن يتدبر،لأنه يعلن الإصرار على التكذيب قبل أن يواجه البرهان - قطعا للطريق على البرهان! - وهي حالة نفسية تصيب المتجبرين حين يدمغهم الحق وتجبههم البينة،ويطاردهم الدليل .. بينما هواهم ومصلحتهم وملكهم وسلطانهم .. كله في جانب آخر غير جانب الحق والبينة والدليل! عندئذ تتدخل القوة الكبرى سافرة بوسائلها الجبارة: «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ،وَالْجَرادَ،وَالْقُمَّلَ،وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ .. آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ..» للإنذار والابتلاء .. آيات مفصلات .. واضحة الدلالة،منسقة الخطوات،تتبع الواحدة منها الأخرى،وتصدق اللاحقة منها السابقة.
ولقد جمع السياق هنا تلك الآيات المفصلة،التي جاءتهم مفرقة. واحدة واحدة. وهم في كل مرة يطلبون إلى موسى تحت ضغط البلية أن يدعو لهم ربه لينقذهم منها ويعدونه أن يرسلوا معه بني إسرائيل إذا أنجاهم منها،وإذا رفع عنهم هذا «الرجز» ،أي العذاب،الذي لا قبل لهم بدفعه:
«وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا:يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ - بِما عَهِدَ عِنْدَكَ - لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ،وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ» .. وفي كل مرة ينقضون عهدهم،ويعودون إلى ما كانوا فيه قبل رفع العذاب عنهم وفق قدر اللّه في تأجيلهم إلى أجلهم المقدور لهم: «فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ - إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ - إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ» ..