جمع السياق الآيات كلها،كأنما جاءتهم مرة واحدة. وكأنما وقع النكث منهم مرة واحدة. ذلك أن التجارب كلها كانت واحدة،وكانت نهايتها واحدة كذلك. وهي طريقة من طرق العرض القرآني للقصص يجمع فيها البدايات لتماثلها ويجمع فيه النهايات لتماثلها كذلك .. ذلك أن القلب المغلق المطموس يتلقى التجارب المنوعة وكأنها واحدة لا يفيد منها شيئا،ولا يجد فيها عبرة ..
فأما كيف وقعت هذه الآيات،فليس لنا وراء النص القرآني شيء. ولم نجد في الأحاديث المرفوعة إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عنها شيئا. ونحن على طريقتنا في هذه «الظلال» نقف عند حدود النص القرآني في مثل هذه المواضع. لا سبيل لنا إلى شيء منها إلا من طريق الكتاب أو السنة الصحيحة. وذلك تحرزا من الإسرائيليات والأقوال والروايات التي لا أصل لها والتي تسربت - مع الأسف - إلى التفاسير القديمة كلها،حتى ما ينجو منها تفسير واحد من هذه التفاسير وحتى إن تفسير الإمام ابن جرير الطبري - على نفاسة قيمته - وتفسير ابن كثير كذلك - على عظيم قدره - لم ينجوا من هذه الظاهرة الخطيرة ..
وقد وردت روايات شتى في شأن هذه الآيات عن ابن عباس،وعن سعيد بن جبير،وعن قتادة،وعن ابن إسحاق .. رواها أبو جعفر ابن جرير الطبري في تاريخه وفي تفسيره. وهذه واحدة منها:
«حدثنا ابن حميد،قال:حدثنا يعقوب القمي،عن جعفر بن المغيرة،عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،قَالَ:"لَمَّا أَتَى مُوسَى فِرْعَوْنَ،قَالَ لَهُ:أَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَأَبَى عَلَيْهِ،فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ،وَهُوَ الْمَطَرُ،فَصَبَّ عَلَيْهِمْ مِنْهُ شَيْئًا،فَخَافُوا أَنْ يَكُونَ عَذَابًا،فَقَالُوا لِمُوسَى:ادْعُ لَنَا رَبَّكَ،لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ،وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَدَعَا رَبَّهُ،فَلَمْ يُؤْمِنُوا،وَلَمْ يُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَأَنْبَتَ لَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ شَيْئًا لَمْ يُنْبِتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَالْكَلَإِ،فَقَالُوا:هَذَا مَا كُنَّا نَتَمَنَّى،فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ،فَسَلَّطَهُ عَلَى الْكَلَإِ . فَلَمَّا رَأَوْا أَثَرَهُ فِي الْكَلَإِ عَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَبْقى الزَّرْعُ،فَقَالُوا:يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ فَيَكْشِفَ عَنَّا الْجَرَادَ،فَنُؤْمِنَ لَكَ،وَنُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَدَعَا رَبَّهُ،فَكَشَفَ عَنْهُمُ الْجَرَادَ،فَلَمْ يُؤْمِنُوا،وَلَمْ يُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَدَاسُوا وَأَحْرَزُوا فِي الْبُيُوتِ،فَقَالُوا:قَدْ أَحْرَزْنَا . فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ،وَهُوَ السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ،فَكَانَ الرَّجُلُ يُخْرِجُ عَشَرَةَ أَجْرِبَةٍ إِلَى الرَّحَى،فَلَا يَرِدُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَقْفِزَةٍ،فَقَالُوا:يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا الْقُمَّلَ،فَنُؤْمِنَ لَكَ،وَنُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَدَعَا رَبَّهُ،فَكَشَفَ عَنْهُمْ،فَأَبَوْا أَنْ يُرْسِلُوا مَعَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ فِرْعَوْنَ إِذْ سَمِعَ نَقِيقَ ضِفْدَعٍ،فَقَالَ لِفِرْعَوْنَ:مَا تَلْقَى أَنْتَ وَقَوْمُكَ مِنْ هَذَا ؟ فَقَالَ:وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ كَيَدُ هَذَا ؟ فَمَا أَمْسَوْا حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَجْلِسُ إِلَى ذَقْنِهِ فِي الضَّفَادِعِ،وَيَهِمُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَتَثِبُ الضَّفَادِعُ فِي فِيهِ،فَقَالُوا لِمُوسَى:ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَكْشِفُ عَنَّا هَذِهِ الضَّفَادِعَ،فَنُؤْمِنَ لَكَ،وَنُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ،فَكُشِفَ عَنْهُمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ،فَكَانَ مَا اسْتَقَوْا مِنَ الْأَنْهَارِ وَالَآبَارِ،أَوْ مَا كَانَ فِي أَوْعِيَتِهِمْ وَجَدُوهُ دَمًا عَبِيطًا،فَشَكَوْا إِلَى فِرْعَوْنَ فَقَالُوا:إِنَّا قَدِ ابْتُلِينَا"