فهرس الكتاب

الصفحة 1816 من 4997

فيربط بين التكذيب بالآيات والغفلة عنها،وبين هذا المصير المقدور. ويقرر أن الأحداث لا تجري مصادفة،ولا تمضي فلتات عابرة،كما يظن الغافلون!

وتنسيقا للجو الحاسم يعجل السياق كذلك بعرض الصفحة الأخرى - صفحة استخلاف المستضعفين - ذلك أن استخلاف بني إسرائيل - في الفترة التي كانوا أقرب ما يكونون فيها إلى الصلاح وقبل أن يزيغوا فيكتب عليهم الذل والتشرد - لم يكن في مصر،ولم يكن في مكان فرعون وآله. إنما كان في أرض الشام،وبعد عشرات السنوات من حادث إغراق فرعون - بعد وفاة موسى عليه السلام وبعد التيه أربعين سنة كما جاء في السورة الأخرى - ولكن السياق يطوي الزمان والأحداث،ويعجل بعرض الاستخلاف هنا تنسيقا لصفحتي المشهد المتقابلتين: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها» ... «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ،وَما كانُوا يَعْرِشُونَ » [1]

على أننا نحن البشر - الفانين المقيدين بالزمان - إنما نقول «قبل» و «بعد» لأننا نؤرخ للأحداث بوقت مرورها بنا وإدراكنا لها! لذلك نقول:إن استخلاف القوم الذين كانوا يستضعفون،كان متأخرا عن حادث الإغراق .. ذلك إدراكنا البشري .. فأما الوجود المطلق والعلم المطلق فما «قبل» عنده وما «بعد» ؟!

والصفحة كلها معروضة له سواء،مكشوفة لا يحجبها زمان ولا مكان .. وللّه المثل الأعلى. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ..

وهكذا يسدل الستار على مشهد الهلاك والدمار في جانب وعلى مشهد الاستخلاف والعمار في الجانب الآخر .. وإذا فرعون الطاغية المتجبر وقومه مغرقون،وإذا كل ما كانوا يصنعون للحياة،وما كانوا يقيمون من عمائر فخمة قائمة على عمد وأركان،وما كانوا يعرشون من كروم وثمار .. إذا هذا كله حطام،في ومضة عين،أو في بضع كلمات قصار! مثل يضربه اللّه للقلة المؤمنة في مكة،المطاردة من الشرك وأهله ورؤيا في الأفق لكل عصبة مسلمة تلقى من مثل فرعون وطاغوته،ما لقيه الذين كانوا يستضعفون في الأرض،فأورثهم اللّه مشارق الأرض ومغاربها المباركة - بما صبروا - لينظر كيف يعملون!

(1) - أي يبنون ..وقد يراد بها ما كانوا يعرشون من الحدائق،وأكثر ما يكون في إقامة كروم العنب على عرائش. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت