فهرس الكتاب
الواقعة. ولكننا نملك بالسر اللطيف المستمد من روح اللّه الذي في كياننا أن نستروح وأن نستشرف هذا الأفق السامق الوضيء. ثم نقف عند هذا الاستشراف لا نحاول أن نفسده بسؤالنا عن الكيفية،نريد أن نتصورها بإدراكنا القريب المحدود!
«وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ،قالَ:رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. قالَ:لَنْ تَرانِي،وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ،فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا،وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا. فَلَمَّا أَفاقَ قالَ:سُبْحانَكَ! تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ. قالَ:يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي. فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيء،فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها. سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ. سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ،وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها،وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا،ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ؟» .
إننا لفي حاجة إلى استحضار ذلك الموقف الفريد في خيالنا وفي أعصابنا وفي كياننا كله .. في حاجة إلى استحضاره لنستشرف ونحاول الاقتراب من تصوره ولنشعر بشيء من مشاعر موسى عليه السلام فيه .. «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا،وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ،قالَ:رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» ..
إنها الوهلة المذهلة وموسى يتلقى كلمات ربه وروحه تتشوف وتستشرف وتشتاق إلى ما يشوق! فينسى من هو،وينسى ما هو،ويطلب ما لا يكون لبشر في هذه الأرض،وما لا يطيقه بشر في هذه الأرض .. يطلب الرؤية الكبرى وهو مدفوع في زحمة الشوق ودفعة الرجاء ولهفة الحب ورغبة الشهود .. حتى تنبهه الكلمة الحاسمة الجازمة: «قالَ:لَنْ تَرانِي» ..
ثم يترفق به الرب العظيم الجليل،فيعلمه لماذا لن يراه .. إنه لا يطيق .. «وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ،فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» ..والجبل أمكن وأثبت. والجبل مع تمكنه وثباته أقل تأثرا واستجابة من الكيان البشري .. ومع ذلك فماذا؟
«فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا» ..فكيف كان هذا التجلي؟ نحن لا نملك أن نصفه،ولا نملك أن ندركه. ولا نملك أن نستشرفه إلا بتلك اللطيفة التي تصلنا باللّه،حين تشف أرواحنا وتصفو،وتتجه بكليتها إلى مصدرها. فأما الألفاظ المجردة فلا تملك أن تنقل شيئا .. لذلك لا نحاول بالألفاظ أن نصور هذا التجلي .. ونحن أميل إلى اطراح كل الروايات التي وردت في تفسيره وليس منها رواية عن المعصوم - صلى الله عليه وسلم - والقرآن الكريم لم يقل عن ذلك شيئا.
«فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا» ..وقد ساخت نتوءاته فبدا مسوّى بالأرض مدكوكا .. وأدركت موسى رهبة الموقف،وسرت في كيانه البشري الضعيف: «وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا» .