فهرس الكتاب

الصفحة 1825 من 4997

مغشيا عليه،غائبا عن وعيه. «فَلَمَّا أَفاقَ» ..وثاب إلى نفسه،وأدرك مدى طاقته،واستشعر أنه تجاوز المدى في سؤاله: «قالَ:سُبْحانَكَ!» ..تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك.

«تُبْتُ إِلَيْكَ» ..عن تجاوزي للمدى في سؤالك! «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» ..

والرسل دائما هم أول المؤمنين بعظمة ربهم وجلاله،وبما ينزله عليهم من كلماته .. وربهم يأمرهم أن يعلنوا هذا،والقرآن الكريم يحكي عنهم هذا الإعلان في مواضع منه شتى.

وأدركت موسى رحمة اللّه مرة أخرى فإذا هو يتلقى منه البشرى .. بشرى الاصطفاء،مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص .. وكانت رسالته إلى فرعون وملئه من أجل هذا الخلاص: «قالَ:يا مُوسى،إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي،فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» ..

ونفهم من قول اللّه سبحانه لموسى - عليه السلام - «إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي» .. أن المقصود بالناس الذين اصطفاه عليهم هم أهل زمانه - فالرسل كانوا قبل موسى وبعده - فهو الاصطفاء على جيل من الناس بحكم هذه القرينة. أما الكلام فهو الذي تفرد به موسى - عليه السلام - أما أمر اللّه تعالى لموسى بأخذ ما آتاه،والشكر على الاصطفاء والعطاء،فهو أمر التعليم والتوجيه لما ينبغي أن تقابل به نعمة اللّه. والرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم - قدوة للناس وللناس فيهم أسوة وعلى الناس أن يأخذوا ما آتاهم اللّه بالقبول والشكر استزادة من النعمة وإصلاحا للقلب وتحرزا من البطر واتصالا باللّه ..

ثم يبين السياق ماذا كان مضمون الرسالة،وكيف أوتيها موسى: «وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيء» ..

وتختلف الروايات والمفسرون في شأن هذه الألواح ويصفها بعضهم أوصافا مفصلة - نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير - ولا نجد في هذا كله شيئا عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئا أو تنقص من حقيقة هذه الألواح. أما ما هي وكيف كتبت فلا يعنينا هذا في شيء بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شيء.

والمهم هو ما في هذه الألواح. إن فيها من كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان اللّه وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء! «فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها» ..

والأمر الإلهي الجليل لموسى - عليه السلام - أن يأخذ الألواح بقوة وعزم،وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم .. هذا الأمر على هذا النحو فضلا على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية،التي أفسدها الذل وطول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت