فهرس الكتاب

الصفحة 1826 من 4997

الأمد،بالعزم والجد،لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة،فإنه - كذلك - يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها ..

إن العقيدة أمر هائل عند اللّه - سبحانه - وأمر هائل في حساب هذا الكون،وقدر اللّه الذي يصرفه،وأمر هائل في تاريخ «الإنسان» وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك .. والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية اللّه - سبحانه - وعبودية البشر لربوبيته وحده،منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها،ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية،حيث تقوم ربوبية غير ربوبية اللّه سبحانه،ذات منهج للحياة كلها غير منهج اللّه الذي ينبثق من تلك العقيدة

وأمر له هذه الخطورة عند اللّه،وفي حساب الكون،وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ «الإنسان» .. يجب أن يؤخذ بقوة،وأن تكون له جديته في النفس،وصراحته وحسمه. ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة،ولا في تميع،ولا في ترخص،ذلك أنه أمر هائل في ذاته،فضلا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص،أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر ..

وليس معنى هذا - بطبيعة الحال - هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! فهذا ليس من طبيعة دين اللّه ..ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة .. وهي صفات أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل - بصفة خاصة - بعد ما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر،تحتاج إلى هذا التوجيه. لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد،تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية،على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة ..ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل،والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت،فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال،والأخذ بالأسهل تجنبا للمشقة ..

كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا،والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها،وتسير مع القطيع لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئا! وفي مقابل أخذ هذا الأمر بقوة يعد اللّه موسى وقومه أن يمكن لهم في الأرض،ويورثهم دار الفاسقين عن دينه: «سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ» ..والأقرب أنها إشارة إلى الأرض المقدسة التي كانت - في ذلك الزمان - في قبضة الوثنيين،وأنها بشارة لهم بدخولها .. وإن كان بنو إسرائيل لم يدخلوها في عهد موسى - عليه السلام - لأن تربيتهم لم تكن قد استكملت،وطبيعتهم تلك لم تكن قد قوّمت،فوقفوا أمام الأرض المقدسة يقولون لنبيهم: «يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ. وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها،فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ!» .. ثم لما ألح عليهم الرجلان المؤمنان فيهم اللذان يخافان اللّه،في الدخول والاقتحام! أجابوا موسى بتوقح الجبان - كالدابة التي ترفس سائقها!:قالوا «إِنَّا لَنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت