نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها،فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا،إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ!» .. مما يصور تلك الطبيعة الخائرة المفككة الملتوية التي كانت تعالجها العقيدة والشريعة التي جاء بها موسى عليه السلام،وأمر هذا الأمر الإلهي الجليل أن يأخذها بقوة،وأن يأمر قومه بحمل تكاليفها الشاقة ..
وفي نهاية المشهد والتكليم يجيء بيان لعاقبة الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق،ويعرضون عن آيات اللّه وتوجيهاته،يتضمن تصويرا دقيقا لطبيعة هذا الصنف من الناس،في نصاعة وجمال التصوير القرآني الفريد لأنماط الطبائع ونماذج النفوس: «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ،وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها،وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا،وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ. هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ؟» ..
إن اللّه تعالى يعلن عن مشيئته في شأن أولئك الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق،وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها،وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا،وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا .. إنه سيصرفهم عن آياته فلا ينتفعون بها ولا يستجيبون لها .. آياته في كتاب الكون المنظور،وآياته في كتبه المنزلة على رسله ..ذلك بسبب أنهم كذبوا بآياته سبحانه وكانوا عنها غافلين.
وإن هذا النموذج من الناس ليرتسم من خلال الكلمات القرآنية،كأنما نراه بسماته وحركاته! «الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ» ..
وما يتكبر عبد من عبيد اللّه في أرضه بالحق أبدا. فالكبرياء صفة اللّه وحده. لا يقبل فيها شريكا. وحيثما تكبر إنسان في الأرض كان ذلك تكبرا بغير الحق! وشر التكبر ادعاء حق الربوبية في الأرض على عباد اللّه،ومزاولة هذا الحق بالتشريع لهم من دون اللّه وتعبيدهم لهذا التشريع الباطل،ومن هذا التكبر تنشأ سائر ألوان التكبر. فهو أساس الشر كله ومنه ينبعث. ومن ثم تجيء بقية الملامح: «وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا،وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا» ..
فهي جبلة تجنح عن سبيل الرشد حيثما رأته،وتجنح إلى سبيل الغي حيثما لاح لها كأنما بآلية في تركيبها لا تتخلف! وهذه هي السمة التي يرسمها التعبير،ويطبع بها هذا النموذج المتكبر،الذي قضت مشيئة اللّه أن يجازيه على التكذيب بآيات اللّه والغفلة عنها بصرفه عن هذه الآيات أبدا! وإن الإنسان ليصادف هذا الصنف من الخلق بوصفه هذا وسمته وملامحه،فيرى كأنما يتجنب الرشد ويتبع الغي دون جهد منه. ودون تفكير ولا تدبير! فهو يعمى عن طريق الرشد ويتجنبه،وينشرح لطريق الغي ويتبعه! وهو في الوقت ذاته مصروف عن آيات اللّه لا يراها ولا يتدبرها ولا تلتقط أجهزته إيحاءاتها وإيقاعاتها! وسبحان اللّه! فمن خلال اللمسات السريعة في العبارة القرآنية العجيبة ينتفض هذا النموذج من الخلق شاخصا بارزا حتى ليكاد القارئ يصيح لتوه:نعم. نعم. أعرف هذا الصنف من الخلق .. إنه فلان!!! وإنه للمعنيّ الموصوف بهذه الكلمات!!! وما يظلم اللّه هذا الصنف من الخلق