والميثاق،قبل أن يبرز إلى حيز الوجود المعلوم! لقد عرض القرآن الكريم هذا المشهد الرائع الباهر العجيب الفريد،لتلك الحقيقة الهائلة العميقة المستكنة في أعماق الفطرة الإنسانية وفي أعماق الوجود .. عرض القرآن هذا المشهد قبل قرابة أربعة عشر قرنا من الزمان،حيث لم يكن إنسان يعلم عن طبيعة النشأة الإنسانية وحقائقها إلا الأوهام! ثم يهتدي البشر بعد هذه القرون إلى طرف من هذه الحقائق وتلك الطبيعة. فإذا «العلم» يقرر أن الناسلات،وهي خلايا الوراثة التي تخفظ سجل «الإنسان» وتكمن فيها خصائص الأفراد وهم بعد خلايا في الأصلاب .. أن هذه الناسلات التي تحفظ سجل ثلاثة آلاف مليون من البشر،وتكمن فيها خصائصهم كلها،لا يزيد حجمها على سنتيمتر مكعب،أو ما يساوي ملء قمع من أقماع الخياطة! .. كلمة لو قيلت للناس يومذاك لاتهموا قائلها بالجنون والخبال! وصدق اللّه العظيم: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» ..
أخرج ابن جرير عن عَبْدِ الْوَارِثِ ،قَالَ:ثنا كُلْثُومُ بْنُ جَبْرٍ ،قَالَ:سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ:وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ قَالَ:سَأَلْتُ عَنْهَا ابْنَ عَبَّاسٍ ،فَقَالَ:"مَسَحَ رَبُّكَ ظَهْرَ آدَمَ ،فَخَرَجَتْ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِنَعْمَانَ هَذَا ،وَأَشَارَ بِيَدِهِ ،فَأَخَذَ مَوَاثِيقَهُمْ ،وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى" [1] ...
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ،فِي قَوْلِهِ:"وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا قَالَ:مَسَحَ رَبُّكَ ظَهْرَ آدَمَ ،فَخَرَجَتْ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِنَعْمَانَ هَذَا الَّذِي وَرَاءَ عَرَفَةَ ،وَأَخَذَ مِيثَاقَهُمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ" [2]
وروي مرفوعا وموقوفا على ابن عباس. وقال ابن كثير:إن الموقوف أكثر وأثبت [3] ..
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ،فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،أَمْثَالَ الذَّرِّ،ثُمَّ جَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ،ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ،فَقَالَ آدَمُ:مَنْ هَؤُلاءِ يَا رَبِّ ؟ قَالَ:هَؤُلاءِ ذُرِّيَّتِكَ،فَرَأَى آدَمُ رَجُلا مِنْهُمْ أَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ،فَقَالَ:يَا رَبِّ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ:هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ يَكُونُ فِي آخِرِ الأُمَمِ،قَالَ آدَمُ:كَمْ جَعَلْتَ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ ؟ قَالَ:سِتِّينَ سَنَةً،قَالَ:يَا رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً،حَتَّى يَكُونَ عُمْرُهُ مِئَةَ سَنَةٍ،فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:إِذَنْ يُكْتَبُ وَيُخْتَمُ فَلا يُبَدَّلْ،فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (13 / 224) (15340 ) وجَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (14064 ) صحيح موقوف
(2) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (14064) صحيح
(3) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [3 /502]