الْمَوْتِ لَقَبْضِ رُوحِهِ،قَالَ آدَمُ:أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ أَوَلَمْ تَجْعَلْهَا لابْنِكَ دَاوُدَ ؟ قَالَ:فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَنَسِيَ وَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَخَطِئَ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ" [1] "
فأما كيف كان هذا المشهد؟ وكيف أخذ اللّه من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم؟ وكيف خاطبهم: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» وكيف أجابوا: «بلى شهدنا» ؟ .. فالجواب عليه:أن كيفيات فعل اللّه - سبحانه - غيب كذاته. ولا يملك الإدراك البشري أن يدرك كيفيات أفعال اللّه ما دام أنه لا يملك أن يدرك ذات اللّه.إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية. وكل فعل ينسب للّه سبحانه مثل الذي يحكيه قوله هذا كقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ...» .. «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» .. «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ» .. « وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ» .. «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» .. «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ» ... إلى آخر ما تحكيه النصوص الصحيحة عن فعل اللّه. سبحانه،لا مناص من التسليم بوقوعه،دون محاولة إدراك كيفيته .. إذ أن تصور الكيفية فرع عن تصور الماهية كما قلنا .. واللّه ليس كمثله شيء.
فلا سبيل إلى إدراك ذاته ولا إلى إدراك كيفيات أفعاله. إذ أنه. لا سبيل إلى تشبيه فعله بفعل أي شيء،ما دام أن ليس كمثله شيء .. وكل محاولة لتصور كيفيات أفعاله على مثال كيفيات أفعال خلقه،هي محاولة مضللة،لاختلاف ماهيته - سبحانه - عن ماهيات خلقه. وما يترتب على هذا من اختلاف كيفيات أفعاله عن كيفيات أفعال خلقه .. وكذلك جهل وضل كل من حاولوا - من الفلاسفة والمتكلمين - وصف كيفيات أفعال اللّه،وخلطوا خلطا شديدا! [2]
على أن هناك تفسيرا لهذا النص بأن هذا العهد الذي أخذه اللّه على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة .. فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده. أودع هذا فطرتهم فهي تنشأ عليه،حتى تنحرف عنه بفعل فاعل يفسد سواءها،ويميل بها عن فطرتها.
قال ابن كثير في التفسير [3] :قال قائلون من السلف والخلف:إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فَطْرهم على التوحيد،كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمَار المُجَاشعي،ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سَرِيع. وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك،قالوا:ولهذا قال: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ } ولم يقل:"من آدم"، { مِنْ ظُهُورِهِمْ } ولم يقل:"من ظهره" { ذُرِّيَّاتِهِمْ } أي:جعل نسلهم جيلا بعد جيل،وقرنًا بعد قرن،كما قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ }
(1) - المستدرك للحاكم (3257) وسنن الترمذى- المكنز - (3356 ) وتفسير ابن كثير - دار طيبة - (3 / 504) صحيح - زيادة مني
النسمة:النفس والروح - الوبيص:البريق
(2) - يراجع فصل: «حقيقة الألوهية» في كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» القسم الثاني. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )
(3) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [3 /506]