فهي نفس واحدة في طبيعة تكوينها،وإن اختلفت وظيفتها بين الذكر والأنثى. وإنما هذا الاختلاف ليسكن الزوج إلى زوجه ويستريح إليها .. وهذه هي نظرة الإسلام لحقيقة الإنسان. ووظيفة الزوجية في تكوينه.
وهي نظرة كاملة وصادقة جاء بها هذا الدين منذ أربعة عشر قرنا. يوم أن كانت الديانات المحرفة تعد المرأة أصل البلاء الإنساني،وتعتبرها لعنة ونجسا وفخا للغواية تحذر منه تحذيرا شديدا،ويوم أن كانت الوثنيات - ولا تزال - تعدها من سقط المتاع أو على الأكثر خادما أدنى مرتبة من الرجل ولا حساب له في ذاته على الإطلاق.
والأصل في التقاء الزوجين هو السكن والاطمئنان والأنس والاستقرار. ليظلل السكون والأمن جو المحضن الذي تنمو فيه الفراخ الزغب،وينتج فيه المحصول البشري الثمين،ويؤهل فيه الجيل الناشئ لحمل تراث التمدن البشري والإضافة إليه. ولم يجعل هذا الالتقاء لمجرد اللذة العابرة والنزوة العارضة. كما أنه لم يجعله شقاقا ونزاعا،وتعارضا بين الاختصاصات والوظائف،أو تكرارا للاختصاصات والوظائف كما تخبط الجاهليات في القديم والحديث سواء! [1]
وبعد ذلك تبدأ القصة .. تبدأ من المرحلة الأولى .. «فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ» ..والتعبير القرآني يلطف ويدق ويشف عند تصوير العلاقة الأولية بين الزوجين .. «فَلَمَّا تَغَشَّاها» .. تنسيقا لصورة المباشرة مع جو السكن وترقيقا لحاشية الفعل حتى ليبدو امتزاج طائفين لا التقاء جسدين. إيحاء «للإنسان» بالصورة «الإنسانية» في المباشرة. وافتراقها عن الصورة الحيوانية الغليظة! .. كذلك تصوير الحمل في أول أمره .. «خفيفا» .. تمر به الأم بلا ثقلة كأنها لا تحسه.
ثم تأتي المرحلة الثانية: «فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما:لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» ..
لقد تبين الحمل،وتعلقت به قلوب الزوجين،وجاء دور الطمع في أن يكون المولود سليما صحيحا صبوحا ..إلى آخر ما يطمع الآباء والأمهات أن تكون عليه ذريتهم،وهي أجنة في ظلام البطون وظلام الغيوب ..وعند الطمع تستيقظ الفطرة،فتتوجه إلى اللّه،تعترف له بالربوبية وحده،وتطمع في فضله وحده،لإحساسها اللدني بمصدر القوة والنعمة والإفضال الوحيد في هذا الوجود. لذلك «دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» ..
« فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما. فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ!» ..
(1) - تراجع فقرة: «المرأة وعلاقات الجنسين» في فصل: «تخبط واضطراب» في كتاب: «الإسلام ومشكلات الحضارة» ،كذلك يراجع فصل: «حقيقة الإنسان» في كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» القسم الثاني. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )