إن بعض الروايات في التفسير تذكر هذه القصة على أنها قصة حقيقية وقعت لآدم وحواء .. إذ كان أبناؤهما يولدون مشوهين. فجاء إليهما الشيطان فأغرى حواء أن تسمي ما في بطنها «عبد الحارث» .. والحارث اسم لإبليس. ليولد صحيحا ويعيش ففعلت وأغرت آدم معها! [1]
(1) - عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ حَوَّاءَ لَمَّا حَمَلَتْ، كَانَ لا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ لَهَا الشَّيْطَانُ:سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَإِنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْي الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ، فَحَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا، وَلَمْ يَسْتَبِنْ".تفسير ابن أبي حاتم - (6 / 305) (9404)
قال ابن كثير:"والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:"
أحدها:أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي:لا يحتج به.ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا فالله أعلم.
الثاني:أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير:حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه.وحدثنا ابن علية عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب، قال:سمى آدم ابنه"عبد الحارث".
الثالث:أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا، لما عدل عنه.
قال ابن جرير:حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: { جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا } قال:كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال:قال الحسن:عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده -يعني: [قوله] { جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا }
وحدثنا بشر حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال:كان الحسن يقول:هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهوّدوا ونَصَّروا
وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن، رحمه الله، أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وَوَرَعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، من آمن منهم، مثل:كعب أو وهب بن مُنَبّه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله [تعالى] إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم."تفسير ابن كثير - دار طيبة - (3 / 526) "
وفي تفسير ابن أبي حاتم - (6 / 310) (9421) ثنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ، ثنا حَبَّانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَولِهِ:""فَلَمَّا آتَاهُمْا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا"،قَالَ:اللَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا تَغَشَّاهَا آدم حَمَلَتْ، آتَاهُمَا إِبْلِيسُ، فَقَالَ:إِنِّي صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ، لَتُطِيعَنَّنِ أَوْ لأَجْعَلَنَّ لَهَا قَرْنَيْ إِبِلٍ، فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكِ، فَيَشُقَّهُ، وَلأَفْعَلَنَّ وَلأَفْعَلَنَّ يُخَوِّفُهُمَا سَمِّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ يَعْنِي الثَّانِيَةَ فَأَتَاهُمَا أَيْضًا، فَقَالَ:أَنَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ، لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لأَفْعَلَنَّ وَلأَفْعَلَنَّ يُخَوِّفُهُمَا، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَانِهِ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَةُ، فَأَتَاهُمَا أَيْضًا، فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبَّ الْوَلَدِ، فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ:"جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا"".
قال ابن كثير معلقًا:""
"وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه، كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة.ومن الطبقة الثانية:قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه -والله أعلم -أصله مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أُبي بن كعب، وفي تفسير ابن أبي حاتم - (6 / 309) (9420) ثنا أَبِي، ثنا أَبُو الْجُمَاهِرِ، أَنْبَأَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ عُقْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ:"لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ، أَتَاهَا الشَّيْطَانُ، فَقَالَ:أَتُطِيعِينِي وَيَسْلَمْ لَكِ وَلَدُكِ ؟ سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَلَمْ تَفْعَلْ فَوَلَدَتْ فَمَاتَ، ثُمَّ حَمَلَتْ، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَ، فَجَاءَهَا فَقَالَ:إِنْ تُطِيعِينِي يَسْلَمْ، وَإِلا فَإِنَّهُ يَكُونُ بَهِيمَةً، فَهَيَّبَهُمَا فَأَطَاعَا"."
وهذه الآثار يظهر عليها -والله أعلم -أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إذا حَدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم"، ثم أخبارهم على ثلاثة أقسام:فمنها:ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله.ومنها ما علمنا كذبه، بما دُلَّ على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا.ومنها:ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته، بقوله، عليه السلام:"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حَرج"وهو الذي لا يصدَّق ولا يكذب، لقوله:"فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم".وهذا الأثر: [هل] هو من القسم الثاني أو الثالث؟ فيه نظر.فأما من حدث به من صحَابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري، رحمه الله، في هذا [والله أعلم] وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله: { فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } "تفسير ابن كثير - دار طيبة - (3 / 528) "