إن العقل البشري - لو خلي بينه وبين هذا الواقع - لا يقره،ولا يرضاه! ولكنها الشهوات والأهواء والتضليل والخداع .. هي التي تجعل البشرية بعد أربعة عشر قرنا من نزول هذا القرآن ترتد إلى هذه الجاهلية - في صورتها الجديدة - فتشرك ما لا يخلقون شيئا وهم يخلقون،ولا يملكون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون! إن هذه البشرية لفي حاجة اليوم - كما كانت في حاجة بالأمس - إلى أن تخاطب بهذا القرآن مرة أخرى.
في حاجة إلى من يقودها من الجاهلية إلى الإسلام ومن يخرجها من الظلمات إلى النور ومن ينقذ عقولها وقلوبها من هذه الوثنية الجديدة بل من هذا السخف الجديد الذي تلج فيه كما أنقذها هذا الدين أول مرة! إن صيغة التعبير القرآنية توحي بأنه كان يعني كذلك تقريعهم على اتخاذ آلهة من البشر: «أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ؟ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ؟»
فهذه الواو والنون تشير إلى أن من بين هذه الآلهة على الأقل بشرا من «العقلاء» الذين يعبر عنهم بضمير «العاقل» ! .. وما علمنا أن العرب في وثنيتهم كانوا يشركون بآلهة من البشر - بمعنى أنهم يعتقدون بألوهيتهم أو يقدمون الشعائر التعبدية لهم - إنما هم كانوا يشركون بأمثال هؤلاء من ناحية أنهم يتلقون منهم الشرائع الاجتماعية والأحكام في النزاعات - أي الحاكمية الأرضية - وأن القرآن يعبر عن هذا بالشرك،ويسوي بينه وبين شركهم الآخر بالأوثان والأصنام سواء. وهذا هو الاعتبار الإسلامي لهذا اللون من الشرك. فهو شرك كشرك الاعتقاد والشعائر لا فرق بينه وبينه،كما اعتبر الذين يتقبلون الشرائع والأحكام من الأحبار والرهبان مشركين. مع أنهم لم يكونوا يعتقدون بألوهيتهم ولم يكونوا يقدمون لهم الشعائر كذلك .. فكله شرك وخروج عن التوحيد الذي يقوم عليه دين اللّه والذي تعبر عنه شهادة أن لا إله إلا اللّه [1] .. مما يتفق تماما مع ما قررناه من شرك الجاهلية الحديثة!
ولما كان الحديث عن قصة الانحراف في النفس - ذلك المتمثل في قصة الزوجين - هو حديث كل شرك! والمقصود به هو تنبيه أولئك الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة،إلى سخف ما هم عليه من الشرك،واتخاذ تلك الآلهة التي لا تخلق شيئا بل هي تخلق،ولا تنصر عبادها بل لا تملك لأنفسها نصرا،سواء أكانت من البشر أم من غيرهم،فهي كلها لا تخلق ولا تنصر - لما كان هذا هو اتجاه السياق القرآني،فإنه ينتقل من القصة ومن أسلوب الحكاية في الفقرة السابقة،إلى مواجهة مشركي العرب وإلى أسلوب الخطاب انتقالا مباشرا،كأنه امتداد للحديث السابق عليه عن تلك الآلهة! «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ،سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ
(1) - يراجع الحديث الذي أخرجه الترمذي عن تفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لمعنى قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» :في فصل «التوحيد» من كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» .. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )