وإنها لكلمة صاحب الدعوة إلى اللّه - بعد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في كل مكان وفي كل زمان: «قُلِ:ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ» .. «إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» .
إنه لا بد لصاحب الدعوة إلى اللّه أن يتجرد من أسناد الأرض وأن يستهين كذلك بأسناد الأرض ..
إنها في ذاتها واهية واهنة،مهما بدت قوية قادرة: «يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ:إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ،وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ. ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ!» .. «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا،وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ!» ..
وصاحب الدعوة إلى اللّه يرتكن إلى اللّه. فما هذه الأولياء والأسناد الأخرى إذن؟ وماذا تساوي في حسه حتى لو قدرت على أذاه؟! إنما تقدر على أذاه بإذن ربه الذي يتولاه. لا عجزا من ربه عن حمايته من أذاها - سبحانه وتعالى! - ولا تخليا منه سبحانه عن نصرة أوليائه .. ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب. واستدراجا لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتين!
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهَا:مَا أَشَدُّ مَا رَأَيْتِ الْمُشْرِكِينَ بَلَغُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - . فَقَالَتْ:كَانَ الْمُشْرِكُونَ قَعَدُوا فِى الْمَسْجِدِ يَتَذَاكَرُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى آلِهَتِهِمْ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَامُوا إِلَيْهِ،وَكَانُوا إِذَا سَأَلُوا عَنْ شَىْءٍ صَدَقَهُمْ،فَقَالُوا:أَلَسْتَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: « بَلَى » . فَتَشَبَّثُوا بِهِ بِأَجْمَعِهِمْ،فَأَتَى الصَّرِيخُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ فَقِيلَ بَادْرِ صَاحِبَكَ. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا وَإِنَّ لَهُ لَغَدَائِرَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَقُولُ:وَيْلَكُمْ (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) قَالَ:فَلَهَوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِى بَكْرٍ،فَرَجَعَ إِلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ لاَ يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ غَدَائِرِهِ إِلاَّ جَاءَ مَعَهُ وَهُوَ يَقُولُ:تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ [1] .
وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ،قَالَ:خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،فَقَالَ:أَيُّهَا النَّاسُ أَخْبِرُونِي بِأَشْجَعِ النَّاسِ ؟ قَالُوا:أَوْ قَالَ،قُلْنَا:أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . قَالَ:أَمَا إِنِّي مَا بَارَزْتُ أَحَدًا إِلاَّ انْتَصَفْتُ مِنْهُ،وَلَكِنْ أَخْبِرُونِي بِأَشْجَعِ النَّاسِ قَالُوا:لاَ نَعْلَمُ،فَمَنْ ؟ قَالَ:أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جَعَلْنَا لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَرِيشًا فَقُلْنَا:مَنْ يَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلًا ؟ يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَوَاللَّهِ،مَا دَنَا مِنْهُ إِلاَّ أَبُو بَكْرٍ شَاهِرًا بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:لاَ يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ إِلاَّ أَهْوَى عَلَيْهِ فَهَذَا أَشْجَعُ النَّاسِ فَقَالَ عَلِيٌّ:وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ فَهَذَا يَجَؤُهُ وَهَذَا يُتَلْتِلُهُ وَهُمْ يَقُولُونَ:أَنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا قَالَ:فَوَاللَّهِ مَا دَنَا مِنْهُ أَحَدٌ إِلاَّ أَبُو بَكْرٍ،يَضْرِبُ هَذَا وَيُجَاءُ هَذَا وَيُتَلْتِلُ هَذَا وَهُوَ يَقُولُ:وَيْلَكُمْ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَ عَلِيٌّ بُرْدَةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَبَكَى حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ ثُمَّ قَالَ:أُنْشِدُكُمْ بِاللَّهِ أَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أَمْ أَبُو بَكْرٍ فَسَكَتَ الْقَوْمُ
(1) - مسند الحميدي - المكنز - (343) وفتح الباري لابن حجر - (7 / 169) حسن
الغدائر:الشعر المضفور واحدها غديرة