فهرس الكتاب

الصفحة 1987 من 4997

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ قَالَ:الْوَجَلُ فِي الْقَلْبِ كَإِحْرَاقِ السَّعَفَةِ،أَمَا تَجِدُ لَهُ قَشْعَرِيرَةً ؟ قَالَ:بَلَى . قَالَ:إِذَا وَجَدْتَ ذَلِكَ فِي الْقَلْبِ فَادْعُ اللَّهَ،فَإِنَّ الدُّعَاءَ يَذْهَبُ بِذَلِكَ" [1] .."

إنها حال ينال القلب منها أمر يحتاج إلى الدعاء ليستريح منها ويقر! وهي الحال التي يجدها القلب المؤمن حين يذكر باللّه في صدد أمر أو نهي فيأتمر معها وينتهي كما يريد اللّه،وجلا وتقوى للّه.

«وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا» .والقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن ما يزيده إيمانا،وما ينتهي به إلى الاطمئنان .. إن هذا القرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة،ولا يحول بينه وبينه شيء إلا الكفر الذي يحجبه عن القلب ويحجب القلب عنه فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن،ووجد في إيقاعاته المتكررة زيادة في الإيمان تبلغ إلى الاطمئنان [2] .. وكما أن إيقاعات القرآن على القلب المؤمن تزيده إيمانا،فإن القلب المؤمن هو الذي يدرك هذه الإيقاعات التي تزيده إيمانا .. لذلك يتكرر في القرآن تقرير هذه الحقيقة في أمثال قوله تعالى: « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ» .. «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .. ومن ذلك قول أحد الصحابة - رضوان اللّه عليهم ،فعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ الشَّيْبَانِيِّ ،قَالَ:سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ،يَقُولُ:"لَقَدْ لَبِثْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرٍ ،وَأَحَدُنَا لِيُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ تَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَنَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا ،وَأَمْرَهَا وَزَاجِرَهَا ،وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهَا كَمَا يَتَعَلَّمُ أَحَدُكُمُ السُّورَةَ ،وَلَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ يَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ ،مَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ وَلَا حَرَامَهُ ،وَلَا أَمْرَهُ وَلَا زَاجِرَهُ ،وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ وَيَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ" [3] .

وبهذا الإيمان كانوا يجدون في القرآن ذلك المذاق الخاص،يساعدهم عليه ذلك الجو الذي كانوا يتنسمونه وهم يعيشون القرآن فعلا وواقعا ولا يزاولونه مجرد تذوق وإدراك! وفي الروايات الواردة في نزول الآية قول سعد بن مالك وقد طلب أن ينفله رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - السيف،قبل أن ينزل القرآن الذي يرد ملكية الأنفال للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيتصرف فيها بما يريد. فعَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ،قَالَ:قَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،قَدْ شَفَانِي اللَّهُ الْيَوْمَ مِنَ المُشْرِكِينَ،فَهَبْ لِي هَذَا السَّيْفُ . قَالَ:إِنَّ هَذَا السَّيْفَ لَيْسَ لَكَ وَلاَ لِي ضَعْهُ قَالَ:فَوَضَعْتُهُ . ثُمَّ رَجَعْتُ،قُلْتُ:عَسَى أَنْ يُعْطَى هَذَا السَّيْفُ الْيَوْمَ مَنْ لَمْ يُبْلِ بَلائِي،قَالَ:إِذَا رَجُلٌ يَدْعُونِي مِنْ وَرَائِي،قَالَ:قُلْتُ:قَدِ أنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ ؟ قَالَ:كُنْتَ سَأَلْتَنِي

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [13 /387] (15691) وتفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /12] فيه انقطاع -"السعفة" ( بفتحتين ) ورق جريد النخل إذا يبس.

(2) - هنا تعرض قضية: «الإيمان يزيد وينقص» وهي قضية من قضايا الفرق وقضايا علم الكلام في فترة الترف العقلي والفراغ من الاهتمامات العملية الجادة ..فلا ندخل نحن الآن فيها!!! ( السيد رحمه الله )

(3) - الإيمان لابن منده [1 /254] (207 ) وقال:هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى رَسْمِ مُسْلِمٍ وَالْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ -وقد ذكره مختصرا

البرهة:الزمان الطويل =النثر:التساقط والتفرق =الدقل:الرديء اليابس من التمر والمراد أن القارئ يرمي بكلمات القرآن من غير رؤية وتأمل كما يتساقط الدقل من العذق إذا هُزَّ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت