فهرس الكتاب

الصفحة 1986 من 4997

ومن ثم يرد مثل هذا التعقيب كثيرا في القرآن لتقرير هذا المعنى الذي يقرره قول رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولتعريف الإيمان وتحديده وإخراجه من أن يكون كلمة تقال باللسان،أو تمنيا لا واقعية له في عالم العمل والواقع.

ثم يعقب بتقرير صفات الإيمان «الحق» كما يريده رب هذا الدين ليحدد لهم ما يعنيه قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» .. فها هو ذا الإيمان الذي يريده منهم رب هذا الدين: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ،وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا،وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا،لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» ..

إن التعبير القرآني دقيق في بنائه اللفظي ليدل دلالة دقيقة على مدلوله المعنوي. وفي العبارة هنا قصر بلفظ: « إنما» . وليس هنالك مبرر لتأويله - وفيه هذا الجزم الدقيق - ليقال:إن المقصود هو «الإيمان الكامل» ! فلو شاء اللّه - سبحانه - أن يقول هذا لقاله. إنما هو تعبير محدد دقيق الدلالة. إن هؤلاء الذين هذه صفاتهم وأعمالهم ومشاعرهم هم المؤمنون. فغيرهم ممن ليس له هذه الصفات بجملتها ليسوا بالمؤمنين. والتوكيد في آخر الآيات: «أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا» يقرر هذه الحقيقة. فغير المؤمنين «حقا» لا يكونون مؤمنين أصلا .. والتعبيرات القرآنية يفسر بعضها بعضا. واللّه يقول: «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ» فما لم يكن حقا فهو الضلال. وليس المقابل لوصف: «المؤمنون حقا» هو المؤمنون إيمانا غير كامل! ولا يجوز أن يصبح التعبير القرآني الدقيق عرضة لمثل هذه التأويلات المميعة لكل تصور ولكل تعبير!

لذلك كان السلف يعرفون من هذه الآيات أن من لم يجد في نفسه وعمله هذه الصفات لم يجد الإيمان،ولم يكن مؤمنا أصلا .. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،فِي قَوْلِهِ:""إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ"،قَالَ:الْمُنَافِقُونَ لا يَدْخُلُ قُلُوبُهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ،فَلا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ،وَلا يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ،وَلا يُصَلُّونَ إِذَا غَابُوا،وَلا يُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ،فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ،ثُمَّ وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ،فَقَالَ:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ"،فَأَدُّوا فَرَائِضَهُ". [1] .

وسنرى من طبيعة هذه الصفات أنه لا يمكن أن يقوم بدونها الإيمان أصلا وأن الأمر فيها ليس أمر كمال الإيمان أو نقصه إنما هو أمر وجود الإيمان أو عدمه.

«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ» ...إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر باللّه في أمر أو نهي فيغشاه جلاله،وتنتفض فيه مخافته ويتمثل عظمة اللّه ومهابته،إلى جانب تقصيره هو وذنبه،فينبعث إلى العمل والطاعة ... أو هي كما روي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ،فِي قَوْلِهِ:""

(1) - تفسير ابن أبي حاتم [7 /13] (9543) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت