حتى أحسوا ذلك عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ:سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الأَنْفَالِ . فَقَالَ:فِينَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ بَدْرٍ نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ،وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلاَقُنَا،فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا،وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بَوَاءٍ يَقُولُ:عَلَى السَّوَاءِ. [1] .
ولقد أخذهم اللّه سبحانه بالتربية الربانية قولا وعملا. نزع أمر الأنفال كله منهم ورده إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حتى أنزل حكمه في قسمة الغنائم بجملتها،فلم يعد الأمر حقا لهم يتنازعون عليه إنما أصبح فضلا من اللّه عليهم يقسمه رسول اللّه بينهم كما علمه ربه ... وإلى جانب الإجراء العملي التربوي كان التوجيه المستطرد الطويل،الذي بدأ بهذه الآيات،واستطرد فيما تلاها كذلك.
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ. قُلِ:الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ،وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ،إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ..
لقد كان الهتاف لهذه القلوب التي تنازعت على الأنفال،هو الهتاف بتقوى اللّه .. وسبحان خالق القلوب العليم بأسرار القلوب .. إنه لا يرد القلب البشري عن الشعور بأعراض الحياة الدنيا،والنزاع عليها - وإن كان هذا النزاع متلبسا هنا بمعنى الشهادة بحسن البلاء - إلا استجاشة الشعور بتقوى اللّه وخوفه وتلمس رضاه في الدنيا والأخرى .. إن قلبا لا يتعلق باللّه،يخشى غضبه ويتلمس رضاه،لا يملك أن يتخلص من ثقلة الأعراض،ولا يملك أن يرف شاعرا بالانطلاق! إن التقوى زمام هذه القلوب الذي يمكن أن تقاد منه طائعة ذلولة في يسر وفي هوادة .. وبهذا الزمام يقود القرآن هذه القلوب إلى إصلاح ذات بينها: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» ..
وبهذا الزمام يقودها إلى طاعة اللّه ورسوله: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .
وأول الطاعة هنا طاعته في حكمه الذي قضاه في الأنفال. فقد خرجت من أن تكون لأحد من الغزاة على الإطلاق،وارتدت ملكيتها ابتداء للّه والرسول،فانتهى حق التصرف فيها إلى اللّه والرسول. فما على الذين آمنوا إلا أن يستسلموا فيها لحكم اللّه وقسم رسول اللّه طيبة قلوبهم،راضية نفوسهم وإلا أن يصلحوا علائقهم ومشاعرهم،ويصفوا قلوبهم بعضهم لبعضهم.ذلك: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ..
فلا بد للإيمان من صورة عملية واقعية. يتجلى فيها،ليثبت وجوده،ويترجم عن حقيقته.
فعن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ , أَنَّهُ قَالَ:لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي , وَلَكِنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ يُعْقَلُ , وَعَمَلٌ يُعْمَلُ [2] .
وقَالَ زَكَرِيَّا:سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ:إنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي،وَلا بِالتَّمَنِّي،إنَّمَا الإِيمَانُ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ. » [3] .
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) [7 /558] (22747) 23127 حسن
(2) - السنة لأحمد بن محمد الخلال [4 /81] (1212) حسن مقطوع ولا يصح رفعه بحال
(3) - مصنف ابن أبي شيبة [11 /22] ( 30988) صحيح مقطوع ولا يصح رفعه بحال