وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ،قَالَ:"إِنْ فَرَّ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ فَقَدْ فَرَّ ،وَإِنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ" [1] - قال الشيخ يعني بقوله:فقد فر:الفرار من الزحف المراد بالآية،والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار،فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة ،فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» عَنِ ابْنِ عُمَرَ،قَالَ:كُنْتُ فِي جَيْشٍ،فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً،فَكُنْتُ فِيمَنْ حَاصَ فَقُلْنَا:قَدْ بُؤْنَا مِنَ اللهِ بِغَضَبٍ فَلَوْ تَنَحَّيْنَا فَلَمْ يَرَنَا أَحَدٌ،ثُمَّ قُلْنَا:لَوْ أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ فَتَزَوَّدْنَا مِنْهَا،فَأَتَيْنَا الْمَدِينَةَ،فَقُلْنَا:لَوْ عَرَضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،لَعَلَّ لَنَا تَوْبَةً،فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْغَدَاةِ،فَقُلْنَا:يَا رَسُولَ اللهِ نَحْنُ الْفَرَّارُونَ،قَالَ:"بَلْ أَنْتُمُ الْكَرَّارُونَ،أَنَا فِئَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ" [2] .
(1) - تَفْسِيرُ سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ (948 ) صحيح
قال الطحاوي:"وَجَدْنَا فَرْضَ اللهِ قَدْ كَانَ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ صَابِرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ"} [الأنفال:65] الْآيَةَ، فَكَانَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَفِرَّ قَوْمٌ مِنْ عَشَرَةِ أَمْثَالِهِمْ، ثُمَّ خَفَّفَ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً لَهُمْ فَأَنْزَلَ: { الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } [الأنفال:66] الْآيَةَ، فَعَادَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَفِرُّوا مِنْ مِثْلَيْهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فِي قَلِيلِ الْعَدَدِ وَفِي كَثِيرِهِ،ثُمَّ خَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كَمَا خَصَّهَا بِهِ أَنْ لَا تَفِرَّ مِمَّا فَوْقَهَا مِنَ الْأَعْدَادِ، وَأَخْبَرَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا مِنْ قِلَّةٍ وَهَكَذَا كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ذَهَبَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ سِيَرِهِ الْكَبِيرِ، وَقَالَ بِهِ فِيهِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَهَكَذَا كَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَمَلَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنَ الْمُنْكَرِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مِنْهُمُ ابْنُ شُبْرُمَةَ عَبْدُ اللهِ الضَّبِّيُّ ،فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"إنْ فَرَّ رَجُلٌ مِنْ رَجُلَيْنِ فَقَدْ فَرَّ،وَإِنْ فَرَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ"قَالَ سُفْيَانُ فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَقَالَ:هَكَذَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنَ الْمُنْكَرِ، وَكَانَ هَذَا أَيْضًا مُطْلَقًا عِنْدَ ابْنِ شُبْرُمَةَ فِي الْأَعْدَادِ كُلِّهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ كَانَ فِيهِ عَلَى مِثْلِ مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَبَيْنَ مَا دُونَهَا مِنَ الْأَعْدَادِ كَمَا سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عِيسَى بْنِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخُزَاعِيَّ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ أَنَّ الْعُمَرِيَّ الْعَابِدَ،وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ جَاءَ إلَى مَالِكٍ فَقَالَ لَهُ:يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ قَدْ نَرَى هَذِهِ الْأَحْكَامَ الَّتِي قَدْ بُدِّلَتْ أَفَيَسَعُنَا مَعَ ذَلِكَ التَّخَلُّفُ عَنْ مُجَاهَدَةِ مَنْ بَدَّلَهَا، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ:إنْ كَانَ مَعَكَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِثْلُكَ لَمْ يَسَعْكَ التَّخَلُّفُ عَنْ ذَلِكَ،وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ أَمْثَالِكَ فَأَنْتَ فِي سَعَةٍ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنْ ذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا الْجَوَابُ مِنْ مَالِكٍ أَحْسَنَ جَوَابٍ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ عِنْدَنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَيْنَاهُ:"وَلَنْ يُؤْتَى اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ"، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ".شرح مشكل الآثار [2 /47] "
وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،قَالَ:قُلْتُ لِعَطَاءٍ:مَا الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ؟ قَالَ:الْفِرَارُ غَيْرُ الْمُتَحَرِّفِ لِلْقِتَالِ،وَلَا الْمُتَحَيِّزُ إِلَى الْفِئَةِ .قَوْلُ اللَّهِ .قُلْتُ:أَرَأَيْتَ إِنْ فَرَّ إِنْسَانٌ مِنْ غَيْرِ زَحْفٍ فِي مَرْمَاهُ فِي قِتَالٍ،أَوْ مِنْ أُنَاسٍ فِي حِصْنٍ ؟ قَالَ:لَا بَأْسَ،إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الزَّحْفِ،قَالَ اللَّهُ:إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ،وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا،ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُمْ فَقَالَ:الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ،وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا،فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ،وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ،وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ فَإِنْ لَقِيَ رَجُلٌ رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ فَفَرَّ مِنْهُ أَوْ مِنْهُمَا فَهِيَ كَبِيرَةٌ،وَإِنْ لَقِيَ ثَلَاثَةَ رِجَالٍ فَفَرَّ مِنْهُمْ فَلَا بَأْسَ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ بِرَجُلَيْنِ .قُلْتُ لِعَطَاءٍ:أَنَسَخَتِ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ،فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ؟ فَقَدْ فَرَّ أُنَاسٌ يَوْمَ أُحُدٍ .قَالَ:إِنَّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَضْعَافُهُمْ،وَيَوْمَ بَدْرٍ أَوْ أُحُدٍ أَكْثَرُ،لَا نَعْلَمُهَا نُسِخَتْ .قَالَ:وَعَامَّةُ مَنْ مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَئِذٍ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ"السِّيَرُ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ (115 ) صحيح"
(2) - شعب الإيمان [6 /158] (4002 ) حسن لغيره