وكذلك قال عمر بن الخطاب. رضي الله عنه،في أبي عبيد لما قتل على الجسر بأرض فارس،لكثرة الجيش من ناحية المجوس،فقال عمر:لو انحاز إليّ كنت له فئة. هكذا رواه محمد بن سيرين،عن عمر ،وفي رواية أبي عثمان النهدي،عن عمر قال:لما قتل أبو عبيد قال عمر:يا أيها الناس،أنا فئتكم [1] .
ولم يعنفهم .. وهذا الحكم عندنا (يعني عند الحنفية) ثابت،ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفا لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين لقتال،وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم،ونحو ذلك،مما لا يكون فيه انصراف عن الحرب،أو متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم. فإذا بلغوا اثني عشر ألفا فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم،وإن كثر عددهم،ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه (يعني الحنفية) واحتج بحديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « خَيْرُ الأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلاَفٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ » [2] ..
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"خَيْرُ الأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ ،وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ ،وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ.قَالَ:وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:مَا غَلَبَ قَوْمٌ قَطُّ ،بَلَغُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا إِذَا اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ. [3] "
وذكر الطحاوي أن مالكا سئل،فقيل له:أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام اللّه وحكم بغيرها؟ فقال مالك:إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف،وإلا فأنت في سعة من التخلف .. وكان السائل له عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز بن عبد اللّه بن عمر. وهذا المذهب موافق لما ذكر محمد بن الحسن. والذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في اثني عشر ألفا فهو أصل في هذا الباب،وإن كثر عدد المشركين فغير جائز لهم أن يفروا منهم وإن كانوا أضعافهم لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا اجتمعت كلمتهم» . وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمتهم»..اهـ [4]
كذلك أورد «ابن العربي» في «أحكام القرآن» تعقيبا على الخلاف في المقصود بهذا الحكم قال [5] :
«اختلف الناس:هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر،أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟
« فروى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،فِي هَذِهِ الْآيَةِ"وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ قَالَ:نَزَلَتْ فِينَا يَوْمَ بَدْرٍ"" [6] لم يكن لهم فئة إلا رسول اللّه،وبه قال نافع،والحسن،وقتادة،ويزيد بن حبيب،والضحاك."
(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /27]
(2) - السنن الكبرى للبيهقي - حيدر آباد [9 /156] وسنن الدارمى- المكنز [7 /394] (2494) صحيح لغيره
(3) - الفوائد لتمام - مكتبة الرشد - الرياض [2 /90] ( 1097) حسن
(4) - أحكام القرآن (الجصاص) ، ج 4، ص:228
(5) - تفسير القرطبي ـ موافق للمطبوع [7 /381] وأحكام القرآن لابن العربي [4 /102]
(6) - الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ لِلْحَاكِمِ (3220 ) صحيح