فهرس الكتاب

الصفحة 2010 من 4997

«ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة وإنما شذ من شذ بخصوص ذلك يوم بدر بقوله:«ومن يولهم يومئذ دبره» فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر. وليس به. وإنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف.

«والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال،وانقضاء الحرب،وذهاب اليوم بما فيه. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما قدمناه في الحديث الصحيح أن الكبائر كذا ... وعدّ الفرار يوم الزحف. وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف،ويبين الحكم،وقد نبهنا على النكتة التي وقع الإشكال فيها لمن وقع باختصاصه بيوم بدر» [1] ..

ونحن نأخذ بهذا الذي ذكره ابن العربي من رأي «ابن عباس وسائر العلماء» .. ذلك أن التولي يوم الزحف على إطلاقه يستحق هذا التشديد لضخامة آثاره الحركية من ناحية ولمساسه بأصل الاعتقاد من ناحية ..

إن قلب المؤمن ينبغي أن يكون راسخا ثابتا لا تهزمه في الأرض قوة،وهو موصول بقوة اللّه الغالب على أمره،القاهر فوق عباده .. وإذا جاز أن تنال هذا القلب هزة - وهو يواجه الخطر - فإن هذه الهزة لا يجوز أن تبلغ أن تكون هزيمة وفرارا. والآجال بيد اللّه،فما يجوز أن يولي المؤمن خوفا على الحياة. وليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها. فالمؤمن إنسان يواجه عدوه إنسانا. فهما من هذه الناحية يقفان على أرض واحدة. ثم يمتاز المؤمن بأنه موصول بالقوة الكبرى التي لا غالب لها. ثم إنه إلى اللّه إن كان حيا،وإلى اللّه إن كتبت له الشهادة. فهو في كل حالة أقوى من خصمه الذي يواجهه وهو يشاق اللّه ورسوله .. ومن ثم هذا الحكم القاطع: « وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ - إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ - فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ،وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» .

ولا بد أن نقف هنا عند التعبير ذاته،وما فيه من إيماءات عجيبة: «فلا تولوهم الأدبار» .. «ومن يولهم يومئذ دبره» .. فهو تعبير عن الهزيمة في صورتها الحسية،مع التقبيح والتشنيع،والتعريض بإعطاء الأدبار للأعداء! .. ثم: «فقد باء بغضب من اللّه» .. فالمهزوم مولّ ومعه «غضب من اللّه» يذهب به إلى مأواه: «وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..

وهكذا تشترك ظلال التعبير مع دلالته في رسم الجو العام وتثير في الوجدان شعور الاستقباح والاستنكار للتولي يوم الزحف والفرار.

ثم يمضي السياق بعد هذا التحذير من التولي يوم الزحف ليكشف لهم عن يد اللّه وهي تدير المعركة من ورائهم وتقتل لهم أعداءهم،وترمي لهم وتصيب ... وهم ينالون أجر البلاء لأن اللّه يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء،ليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه:«فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ،وَلكِنَّ اللَّهَ

(1) - أحكام القرآن لابن العربي [4 /71]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت