فهرس الكتاب

الصفحة 2050 من 4997

إن المعركة شاخصة بمواقع الفريقين فيها وشاهدة بالتدبير الخفي من ورائها .. إن يد اللّه تكاد ترى،وهي توقف هؤلاء هنا،وهؤلاء هناك،والقافلة من بعيد! والكلمات تكاد تشف عن تدبير اللّه في رؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي تقليل كل فريق في عين الفريق الآخر،وفي إغراء كل منهما بالآخر ..

وما يملك إلا الأسلوب القرآني الفريد،عرض المشاهد وما وراء المشاهد بهذه الحيوية،وبهذه الحركة المرئية،وفي مثل هذه المساحة الصغيرة من التعبير! وهذه المشاهد التي تستحضرها النصوص،قد مر بنا في استعراض الوقعة من السيرة الإشارة إليها .. ذلك أن المسلمين حين خرجوا من المدينة نزلوا بضفة الوادي القريبة من المدينة ونزل جيش المشركين بقيادة أبي جهل بالضفة الأخرى البعيدة من المدينة وبين الفريقين ربوة تفصلهما .. أما القافلة فقد مال بها أبو سفيان إلى سيف البحر أسفل من الجيشين.

ولم يكن كل من الجيشين يعلم بموقع صاحبه. وإنما جمعهما اللّه هكذا على جانبي الربوة لأمر يريده.

حتى لو أن بينهما موعدا على اللقاء ما اجتمعا بمثل هذه الدقة والضبط من ناحية المكان والموعد! وهذا ما يذكر اللّه به العصبة المسلمة ليذكرها بتدبيره وتقديره.

«إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا،وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى،وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ،وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ،وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا» ..

إن وراء هذا التلاقي على غير موعد - بهذه الدقة وبهذا الضبط - لأمرا مقضيا يريد اللّه تحقيقه في عالم الواقع،ويدبر له هذا التدبير الخفي اللطيف ويجعلكم أنتم أداة تحقيقه،ويهيئ له جميع الظروف التي تيسر لكم القيام به! أما هذا الأمر المقتضى الذي دبر اللّه الظروف لتحقيقه فهو الذي يقول عنه:

«لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ،وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» ..

والهلاك يعبر به عن مدلوله المباشر،كما يعبر به عن الكفر. وكذلك الحياة فإنها قد تفيد مدلولها المباشر وقد يعبر بها عن الإيمان .. وهذا المدلول الثاني أظهر هنا،وذلك كما قال اللّه سبحانه في مثل هذا المعنى: «أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها؟» ..

فعبر عن الكفر بالموت وعبر عن الإيمان بالحياة وجرى في هذا على نظرة الإسلام لحقيقة الكفر وحقيقة الإيمان. هذه النظرة التي أوضحناها بشيء من التفصيل عند استعراض هذه الآية من سورة الأنعام في الجزء الثامن [1] .

ووجه ترجيح هذا المدلول هنا أن يوم بدر - كما قال اللّه سبحانه - كان «يوم الفرقان» وقد فرق اللّه فيه بين الحق والباطل - كما ذكرنا منذ قليل - ومن ثم فإن من يكفر بعدها فإنما يكفر في غير شبهة - يكفر عن بينة فيهلك عن بينة - ومن يؤمن بعدها فإنما يؤمن عن بينة واضحة تبرزها المعركة

(1) - ص 1199 - 1201 من الجزء الثامن من الظلال. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت