فهرس الكتاب

الصفحة 2051 من 4997

إن الموقعة - بظروفها التي صاحبتها - تحمل بينة لا تجحد،وتدل دلالة لا تنكر،على تدبير وراء تدبير البشر،وعلى قوى وراءها غير قوة البشر .. إنها تثبت أن لهذا الدين ربا يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا،وأنه لو كان الأمر إلى القوى المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم ..

ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذي أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال: «فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم،ولئن كنا إنما نقاتل اللّه - كما يزعم محمد - فما لأحد باللّه من طاقة» ! ولقد علموا - لو كان العلم يجدي - أنهم إنما يقاتلون اللّه كما قال لهم محمد الصادق الأمين،وأنه ما لأحد باللّه من طاقة .. فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر فإنما يهلكون عن بينة! هذا ما يتبادر إلى الذهن من معنى هذا التعقيب: «ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة»

ولكن يبقى وراءه إيحاه آخر:

إن وقوع المعركة بين جند الحق وجند الباطل واستعلاء سلطان الحق في عالم الواقع - بعد استعلائه في

عالم الضمائر - إن هذا كله مما يعين على جلاء الحق للعيون والقلوب وعلى إزالة اللبس في العقول والنفوس بحيث يتبين الأمر بهذا الفتح ويتجلى فلا تعود لمن يختار الهلاك - أي الكفر - شبهة في الحق الذي استعلن واستعلى كما أن الذي يريد أن يحيا - أي يؤمن - لا يعود لديه شك في أن هذا هو الحق الذي ينصره اللّه،ويخذل الطغاة.

وهذا يعود بنا إلى ما قدمناه في الجزء التاسع - في التعريف بسورة الأنفال - من الحديث عن ضرورة الجهاد لتحطيم قوى الشر وسلطان الطاغوت وإعلاء راية الحق وسلطان اللّه .. فهذا مما يعين على جلاء الحق: «ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة» .. كما أن هذه اللفتة تساعدنا على تفهم أبعاد الإيحاء الذي يعطيه قول اللّه تعالى،في هذه السورة: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ..» فإعداد القوة والإرهاب بها مما يعين على جلاء الحق في أنماط من القلوب. لا تستيقظ ولا تتبين إلا على إيقاعات القوة التي تحمل الحق وتنطلق به لإعلان تحرير «الإنسان» في «الأرض» كما أسلفنا. [1]

والتعقيب على ذلك الجانب من التدبير الإلهي في المعركة،وعلى غاية هذا التدبير التي تحققت فعلا هو: «وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ» ..

فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شيء مما يقول فريق الحق أو فريق الباطل ولا شيء مما يخفونه في صدورهم وراء الأقوال والأفعال وهو يدبر ويقدر باطلاعه على الظواهر وعلمه بالسرائر،وهو السميع العليم ..

(1) - يراجع بتوسع الجزء التاسع ص 1431 - 1452. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت