فهرس الكتاب
مَوَاسِمِ الْعَرَبِ،يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلّ عَامٍ - فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا،فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا،فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا،فَامْضُوا .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:وَلَمّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنّهُ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ:إنّكُمْ إنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَرِجَالَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فَقَدْ نَجّاهَا اللّهُ فَارْجِعُوا،فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا - وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ،يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلّ عَامٍ - فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا،فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا،فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا،فَامْضُوا .
وَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ،وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ يَا بَنِي زُهْرَةَ قَدْ نَجّى اللّهُ لَكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَخَلّصَ لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَإِنّمَا نَفَرْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ فَاجْعَلُوا لِي جُبْنَهَا وَارْجِعُوا،فَإِنّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ بِأَنْ تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ ضَيْعَةٍ لَا مَا يَقُولُ هَذَا،يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ . فَرَجَعُوا،فَلَمْ يَشْهَدْهَا زُهْرِيّ وَاحِدٌ أَطَاعُوهُ وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا . وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلّا وَقَدْ نَفَرَ مِنْهُمْ نَاسٌ إلّا بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ،لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَرَجَعَتْ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ،فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا مِنْ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ أَحَدٌ،وَمَشَى الْقَوْمُ . وَكَانَ بَيْنَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَكَانَ فِي الْقَوْمِ - وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ مُحَاوَرَةٌ فَقَالُوا:وَاَللّهِ لَقَدْ عَرَفْنَا يَا بَنِي هَاشِمٍ وَإِنْ خَرَجْتُمْ مَعَنَا،أَنّ هَوَاكُمْ لَمَعَ مُحَمّدٍ . فَرَجَعَ طَالِبٌ إلَى مَكّةَ مَعَ مَنْ رَجَعَ . وَقَالَ طَالِبُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ
لَا هُمّ إمّا يَغْزُوَنّ طَالِبْ ... فِي عُصْبَةٍ مُحَالِفٌ مُحَارِبْ
فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبِ ... فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السّالِبِ
وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ.. [1]
وصحت فراسة أبي سفيان،وأصاب محمد - صلى الله عليه وسلم - النفير وذل المشركون بالبطر والبغي والرياء والصد عن سبيل اللّه وكانت بدر قاصمة الظهر لهم: «وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» ..
لا يفوته منهم شيء،ولا يعجزه من قوتهم شيء،وهو محيط بهم وبما يعملون.
ويمضي السياق يصور وسوسة الشيطان للمشركين وإغراءهم بهذا الخروج الذي نالهم منه ما نالهم من الذل والخيبة والخسار والانكسار: «وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ،وَقالَ:لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ،وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ. فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ،وَقالَ:إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ،إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ،إِنِّي أَخافُ اللَّهَ،وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ» ..
ولقد وردت في هذه الآية والحادث الذي تشير إليه عدة آثار ليس من بينها حديث عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلا ما رواه مالك في الموطأ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ،عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كُرَيْزٍ:أَنَّ رَسُولَ
(1) - سيرة ابن هشام [1 /618]