فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 4997

والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة.

والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل،والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة.وكثيرا ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف باللّه بوصفه الموجد الواحد للكون،والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة.ولقد يبدو هذا غريبا مضحكا.ولكنه كان وما يزال.

ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى » ..كما قال عن جماعة من أهل الكتاب: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ» ..وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام،تعج بالأرباب المختلفة،بوصفها أربابا صغارا تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون! فإطلاق الربوبية في هذه السورة،وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعا،هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة.لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد،تقر له بالسيادة المطلقة،وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة،وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب ..ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية اللّه الدائمة وربوبيته القائمة.وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبدا ولا تفتر ولا تغيب،لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلا يقول بأن اللّه أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به،لأن اللّه أرقى من أن يفكر فيما هو دونه! فهو لا يفكر إلا في ذاته! وأرسطو - وهذا تصوره - هو أكبر الفلاسفة،وعقله هو أكبر العقول! لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار ..

يختلط فيها الحق بالباطل،والصحيح بالزائف،والدين بالخرافة،والفلسفة بالأسطورة ..والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون،ولا يستقر منها على يقين.

وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور،هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها،وصفاته وعلاقته بخلائقه،ونوع الصلة بين اللّه والإنسان على وجه الخصوص.

ولم يكن مستطاعا أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون،وفي أمر نفسه وفي منهج حياته،قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته،وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل.

ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام،وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري،والتي أشرنا إلى طرف منها فيما تقدم صغير. (وسيجيء في استعراض سور القرآن الكثير منها،مما عالجه القرآن علاجا وافيا شاملا كاملا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت