ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة،وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر اللّه وصفاته،وعلاقته بالخلائق،وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين.
ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل،الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد ..هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام،وظل يجلوها في الضمير،ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد،حتى يخلصها من كل غبش.ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهم في صورة من الصور ..
كذلك قال الإسلام كلمة الفصل بمثل هذا الوضوح في صفات اللّه وبخاصة ما يتعلق منها بالربوبية المطلقة.فقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه الفلسفات والعقائد كما تخبط فيه الأوهام والأساطير ..
مما يتعلق بهذا الأمر الخطير،العظيم الأثر في الضمير الإنساني.وفي السلوك البشري سواء.
والذي يراجع لجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات اللّه وصفاته وعلاقته بمخلوقاته،هذا الجهد الذي تمثله النصوص القرآنية الكثيرة ..الذي يراجع هذا الجهد المتطاول دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل في ذلك التيه الشامل الذي كانت البشرية كلها تهيم فيه ..قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر،وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير ..ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول،كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة - وتقوم في تحرير الضمير البشري وإعتاقه وإطلاقه من عناء التخبط بين شتى الأرباب وشتى الأوهام والأساطير!
وإن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها ..كل هذا لا ينجلى للقلب والعقل كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية من العقائد والتصورات،والأساطير والفلسفات! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم ..عندئذ تبدو العقيدة الإسلامية رحمة.رحمة حقيقية للقلب والعقل،رحمة بما فيها من جمال وبساطة،ووضوح وتناسق،وقرب وأنس،وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق.
«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ..هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة،في آية مستقلة،لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه.وبين الخالق ومخلوقاته ..إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء.إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة،فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية.