فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 4997

«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» ..وهذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة.فلا عبادة إلا للّه،ولا استعانة إلا باللّه.

وهنا كذلك مفرق طريق ..مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية،وبين العبودية المطلقة للعبيد! وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل.التحرر من عبودية الأوهام.والتحرر من عبودية النظم،والتحرر من عبودية الأوضاع.وإذا كان اللّه وحده هو الذي يعبد،واللّه وحده هو الذي يستعان،فقد تخلص الضمير البشري من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص،كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات ..

وهنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية،ومن القوى الطبيعية ..

فأما القوى الإنسانية - بالقياس إلى المسلم - فهي نوعان:قوة مهتدية،تؤمن باللّه،وتتبع منهج اللّه ..

وهذه يجب أن يؤازرها،ويتعاون معها على الخير والحق والصلاح ..وقوة ضالة لا تتصل باللّه ولا تتبع منهجه.وهذه يجب أن يحاربها ويكافحها ويغير عليها.

ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية.فهي بضلالها عن مصدرها الأول - قوة اللّه - تفقد قوتها الحقيقية.تفقد الغذاء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها.وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب،فما يلبث أن ينطفىء ويبرد ويفقد ناره ونوره،مهما كانت كتلته من الضخامة.على حين تبقى لأية ذرة متصلة بمصدرها المشع قوتها وحرارتها ونورها: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ» ..

غلبتها باتصالها بمصدر القوة الأول،وباستمدادها من النبع الواحد للقوة وللعزة جميعا.

وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها هو موقف التعرف والصداقة،لا موقف التخوف والعداء.ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة اللّه ومشيئته.محكومتان بإرادة اللّه ومشيئته،متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه.

إن عقيدة المسلم توحي إليه أن اللّه ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقا مساعدا متعاونا وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها.ويتعرف إليها،ويتعاون وإياها،ويتجه معها إلى اللّه ربه وربها.

وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحيانا،فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها ولم يتعرف إليها،ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها.

ولقد درج الغربيون - ورثة الجاهلية الرومانية - على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم: «قهر الطبيعة» ..ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة باللّه،وبروح الكون المستجيب للّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت