فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 4997

فأما المسلم الموصول القلب بربه الرحمن الرحيم،الموصول الروح بروح هذا الوجود المسبحة للّه رب العالمين ..فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غير علاقة القهر والجفوة.إنه يعتقد أن اللّه هو مبدع هذه القوى جميعا.خلقها كلها وفق ناموس واحد،لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس.وأنه سخرها للإنسان ابتداء ويسر له كشف أسرارها ومعرفة قوانينها.وأن على الإنسان أن يشكر اللّه كلما هيأ له أن يظفر بمعونة من إحداها.فاللّه هو الذي يسخرها له،وليس هو الذي يقهرها: «سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا» ..

وإذن فإن الأوهام لن تملأ حسه تجاه قوى الطبيعة ولن تقوم بينه وبينها المخاوف ..إنه يؤمن باللّه وحده،ويعبد اللّه وحده،ويستعين باللّه وحده.وهذه القوى من خلق ربه.وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها،فتبذل له معونتها،وتكشف له عن أسرارها.فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود ..وما أروع قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو ينظر إلى جبل أحد عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِى عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ،أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - يَقُولُ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ،فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - رَاجِعًا،وَبَدَا لَهُ أُحُدٌ قَالَ « هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ » .ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا كَتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ « اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِى صَاعِنَا وَمُدِّنَا » [1] .ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد - صلى الله عليه وسلم - من ود وألفة وتجاوب،بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مجاليها.

وبعد تقرير تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي وتقرير الاتجاه إلى اللّه وحده بالعبادة والاستعانة .

يبدأ في التطبيق العملي لها بالتوجه إلى اللّه بالدعاء على صورة كلية تناسب جو السورة وطبيعتها:

«اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ،غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ» ..

« اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» ..وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته ..فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية اللّه ورعايته ورحمته.والتوجه إلى اللّه في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين.وهذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه.فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين ..وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس اللّه الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى اللّه رب العالمين.

(1) - صحيح البخارى- المكنز [10 /352] (2889)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت