فِيهَا مُنْتَهَى التَّسَاهُلِ عَنْ قُوَّةٍ وَعِزَّةٍ،لَا عَنْ ضَعْفٍ وَذِلَّةٍ،وَلَكِنْ حُبًّا لِلسَّلْمِ وَنَشْرِ دِينِهِ بِالْإِقْنَاعِ وَالْحُجَّةِ [1] ،وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِهِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ كَمَا دَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ،ثُمَّ عَدَا هَؤُلَاءِ عَلَى أُولَئِكَ،وَأَعَانَتْهُمْ قُرَيْشٌ بِالسِّلَاحِ فَنَقَضُوا عَهْدَهُمْ،فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ عَوْدَةِ حَالِ الْحَرْبِ الْعَامَّةِ مَعَهُمْ،وَفَتْحِهِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لِمَكَّةَ،الَّذِي خَضَدَ شَوْكَةَ الشِّرْكِ وَأَذَلَّ أَهْلَهُ،وَلَكِنَّهُمْ مَا زَالُوا يُحَارِبُونَهُ حَيْثُ قَدَرُوا،وَثَبَتَ بِالتَّجْرِبَةِ لَهُمْ فِي حَالَيْ قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ،أَنَّهُمْ لَا عُهُودَ لَهُمْ وَلَا يُؤْمَنُ نَقْضُهُمْ وَانْتِقَاضُهُمْ،كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ:كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ (7) إِلَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ آيَةِ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَيْ لَا عُهُودَ لَهُمْ يَرْعَوْنَهَا وَيَفُونَ بِهَا .وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعِيشَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ بِحُكْمِ الْمُعَاهَدَاتِ الْمَرْعِيَّةِ فَيَأْمَنُ كُلٌّ مِنْهُمْ شَرَّ الْآخَرِ وَعُدْوَانَهُ،مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى شِرْكِهِمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَرْعٌ يُدَانُ بِهِ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ بِإِيجَابِهِ،كَيْفَ وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْمِيثَاقِ،مَنْ كَانُوا أَجْدَرَ بِالْوَفَاءِ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ! [2] .
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ مَا جَاءَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنْ نَبْذِ عُهُودِهِمِ الْمُطْلَقَةِ،وَإِتْمَامِ مُدَّةِ عَهْدِهِمُ الْمُؤَقَّتَةِ لِمَنِ اسْتَقَامَ مِنْهُمْ عَلَيْهَا،وَأَمَّا حِكْمَةُ ذَلِكَ فَهِيَ مَحْوُ بَقِيَّةِ الشِّرْكِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ بِالْقُوَّةِ،وَجَعْلُهَا خَالِصَةً لِلْمُسْلِمِينَ،مَعَ مُرَاعَاةِ الْأُصُولِ السَّابِقَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (2:190) وَقَوْلِهِ:وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا (8:61) بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ،وَإِنْ قَالَ الْجُمْهُورُ بِنَسْخِ هَذَا بِآيَةِ السَّيْفِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ،وَنَبْذِ عُهُودِ الشِّرْكِ،وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي تَفْسِيرِهَا ...انتهى.
ثالثا- الرد على من يزعم أن العلاقة بيننا وبين الكفار قائمة على السلم:
وظاهر من هذا الاستعراض ومن التعقيب عليه - ومما جاء بعده في تفسير السورة في تفسير المنار - أنه مع لمس السبب الأصيل العميق الكامن وراء هذه السلسلة من نقض العهود،وابتداء أول فرصة لحرب الإسلام وأهله من المشركين وأهل الكتاب،فإن المؤلف لا يتابع هذا السبب إلى جذوره ولا يرى امتداده وشموله ولا يستشرف الحقيقة الكبيرة في طبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي وطبيعة
(1) - هذا كلام صحيح إذ أريد به أن نشر العقيدة بالإقناع والحجة هو قاعدة هذه الحركة.ولكنه يتجاوز مداه المأمون حين يراد به أن الجهاد في الإسلام لا يكون إلا دفاعا عن المسلمين،وأن السلم واجبة في غير هذه الحالة ..كما يتجه المؤلف رحمه اللّه. ( السيد رحمه الله )
(2) - من العجيب أنه مع لمس المؤلف - رحمه اللّه - لهذه الحقيقة الأصيلة التي هي القاعدة الأساسية لعدم إمكان التعايش على أساس المعاهدات بين المعسكر الإسلامي ومعسكر الشرك ومعسكر أهل الكتاب - إلا في فترات موقوتة لا تمثل قاعدة دائمة - فإنه اتجه إلى أن قاعدة العلاقات بين المعسكر الإسلامي وهذه المعسكرات هي المعاهدات السلمية ما لم يقع الاعتداء على المسلمين في دارهم! وأن هذا ممكن دائما! وغيره هو الاستثناء! وأن الأمر خاص بمشركي الجزيرة .. (وهذا صحيح نسبيا،ولكن حقيقة الأمر في المشركين عامة هي ذاتها حقيقة مشركي الجزيرة.كما سنبين في أثناء مواجهة النصوص) . ( السيد رحمه الله )