فهرس الكتاب

الصفحة 2144 من 4997

الاختلاف الجذري بين منهج اللّه ومناهج العبيد،التي لا يمكن الالتقاء على شيء منها وبالتالي لا يمكن التعايش الطويل بين المعسكرات القائمة على منهج اللّه وهذه المناهج أصلا!

فأما الأستاذ محمد عزة دروزة في تفسيره للسورة في كتابه: «التفسير الحديث» فيبعد جدا عن هذه الحقيقة الكبرى ولا يلمس ذلك السبب الأصيل العميق أصلا.ذلك أنه مشغول - كغيره من الكتاب المحدثين الواقعين تحت ضغط الواقع البائس لذراري المسلمين،وللقوة الظاهرة لمعسكرات المشركين والملحدين وأهل الكتاب في هذا الزمان - بتلمس شهادة لهذا الدين بأنه دين السلم والسلام الذي لا يعنيه إلا أن يعيش داخل حدوده في سلام! فمتى أمكنت المهادنة والمعاهدة فهو حريص عليها،لا يعدل بها هدفا آخر! وهو من ثم لا يرى سببا لهذه النصوص الجديدة الأخيرة في سورة التوبة إلا نقض بعض المشركين لعهودهم مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأن الذين لم ينقضوا عهودهم - سواء كانت مؤقتة أو مؤبدة - فقد جاءت السورة بالمحافظة عليها.

وأنه حتى إذا انقضت عهودهم فإنه يجوز أن تعقد معهم معاهدات جديدة! وكذلك الناكثون أنفسهم! وأن الآيات المرحلية هي الأصل الذي يقيد عموم الآيات الأخيرة في هذه السورة!!!

وفي ذلك يقول في شرح قوله تعالى [1] : «إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ،فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ،إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ..

«وفي الآيتين وما قبلهما صور من السيرة النبوية في أواخر العهد المدني،حيث ينطوي فيهما أنه كان بين المسلمين والمشركين عهود سلم بعد الفتح المكي ربما كانت ممتدة إلى ما قبله،وأن من المشركين من ظلوا أوفياء لعهودهم،ومنهم من نقض أو ظهرت منه علائم النقض والغدر.

ولقد نبهنا قبل على أن أهل التأويل والمفسرين يسمون الآية الثانية من الآيتين اللتين نحن في صددهما آية السيف،ويعتبرونها ناسخة لكل آية فيها أمر بالتسامح والتساهل مع المشركين وإمهالهم والإغضاء والصفح والإعراض عنهم.وتوجب قتالهم إطلاقا.وبعضهم يستثني المعاهدين منهم إلى مدتهم،وبعضهم لا يستثنيهم ولا يجوّز قبول غير الإسلام منهم بعد نزولها.ونبهنا على ما في ذلك من غلو ومناقضة للتقريرات القرآنية المتضمنة لأحكام محكمة بعدم قتال غير الأعداء وترك المسالمين والموادين وبرهم والإقساط إليهم.ولقد كرر المفسرون أقوالهم ورواياتهم عن قدماء أهل التأويل في مناسبة هذه الآية،فروى ابن كثير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي،قَوْلَهُ:"فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ"

(1) - التفسير الحديث لدروزة- موافق للمطبوع [9 /351]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت