« والذي يتبادر لنا في صدد هذه المسألة أن المشركين بعد أن نقضوا عهدهم وقاتلهم المسلمون فقدوا حق العهد ثانية.وصار من حق المسلمين أن يفرضوا الشرط الذي يضمن لهم الأمن والسلامة،وهو توبتهم عن الشرك ودخولهم في الإسلام وقيامهم بواجباته التعبدية والمالية.ولا يعد هذا من قبيل الإكراه في الدين،بقطع النظر عن أن الشرك يمثل مظاهر انحطاط الإنسانية وتسخيرها لقوى وأفكار وعقائد سخيفة مغايرة للعقل والمنطق والحق،كما يمثل نظاما جاهليا فيه التقاليد الجائرة والعادات المنكرة والعصبيات الممقوتة،وأن الإسلام الذي يشترط عليهم الدخول فيه يضمن لهم الخلاص من ذلك،والارتفاع بهم إلى مستوى الكمال الإنساني عقلا وخلقا وعبادة وعقيدة وعملا.على أننا لسنا نرى في الآيات مع ذلك ما يمنع المسلمين أن يجددوا العهد مع الناكثين بعد الحرب ثانية إذا كانت مصلحتهم تقتضي ذلك.وقد لا يكونون قادرين على متابعة الحرب،أو على إخضاعهم بالقوة.واللّه تعالى أعلم» ...انتهى
وواضح من هذه الفقرات التي اقتطفناها ومن أمثالها في تفسير المؤلف كله أنه ابتداء لا يلقي باله إلى حق الإسلام المطلق في أن ينطلق في الأرض لتحرير البشرية من العبودية للعباد،وردها إلى اللّه وحده،حيثما كان ذلك ممكنا له،بغض النظر عما إذا كان هناك اعتداء على أهله داخل حدودهم الإقليمية أم لم يكن ..
فهو يستبعد هذا المبدأ ابتداء.وهو المبدأ الذي يقوم عليه الجهاد في الإسلام.وبدونه يفقد دين اللّه حقه في أن يزيل العقبات المادية من طريق الدعوة،ويفقد كذلك جديته وواقعيته في مواجهة الواقع البشري بوسائل مكافئة له في مراحل متعددة بوسائل متجددة،ويصبح عليه أن يواجه القوى المادية بالدعوة العقدية ! وهو هزال لا يرضاه اللّه لدينه في هذه الأرض [1] !
وواضح كذلك أن المؤلف لا يلقي باله إلى طبيعة المنهج الحركي في الإسلام،ومواجهته للواقع بوسائل مكافئة.فهو يحيل الأحكام النهائية الأخيرة على النصوص المرحلية قبلها.دون التفات إلى أن النصوص السابقة كانت تواجه حالات واقعة غير الحالة التي جاءت النصوص الأخيرة تواجهها ..وحقيقة إن هذه الأحكام ليست (منسوخة) بمعنى أنه لا يجوز الأخذ بها مهما تكن الأحوال - بعد نزول الأحكام الأخيرة - فهي باقية لمواجهة الحالات التي تكون من نوع الحالات التي واجهتها.ولكنها لا تقيد المسلمين إذا واجهتهم حالات كالتي واجهتها النصوص الأخيرة،وكانوا قادرين على تنفيذها ....إن الأمر في حاجة إلى سعة ومرونة وإدراك لطبيعة هذا الدين وطبيعة منهجه الحركي كما أسلفنا ..
رابعا- المنهج الحركي الإسلامي
(1) - يراجع ما كتبناه عن الجهاد وما اقتبسناه من كتاب الأستاذ المودودي عن (الجهاد في سبيل اللّه) في الجزء التاسع من الظلال ص 1431 - ( السيد رحمه الله )