أَنَّ التَّأْجِيلَ كَانَ مِنْ وَقْتِ نُزُولِ بَرَاءَةَ ،وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ الْمَجْعُولَ لَهُ أَجَلُ السِّيَاحَةِ إِلَى وَقْتٍ مَحْدُودٍ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا جُعِلَ لَهُ ،وَلَاسِيَّمَا مَعَ عَهْدٍ لَهُ قَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخِلَافِهِ ،فَكَمَنْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا لَهُ فِي الْأَجَلِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ وَمَا عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فَهُوَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ الَّذِي جُعِلَ لَهُ مِنَ الْأَجَلِ ،وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَعْلَمُوا بِمَا جُعِلَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا حِينَ نُودِيَ فِيهِمْ بِالْمَوْسِمِ ،وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنَّ ابْتِدَاءَهُ مَا قُلْنَا وَانْقِضَاءَهُ كَانَ مَا وَصَفْنَا".. [1] ."
وإذا نحن تركنا الروايات التي بها ضعف،وما يمكن أن يكون قد تركه الخلاف السياسي - فيما بعد - بين شيعة علي - رضي اللّه عنه - وأنصار الأمويين،أو أهل السنة،من الأثر في بعض الروايات فإننا نستطيع أن نقول:إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعث بأبي بكر - رضي اللّه عنه - أميرا للحج في هذا العام لما كرهه من الحج والمشركون يطوفون بالبيت عراة.ثم نزلت أوائل سورة التوبة هذه فبعث بها عليا - رضي اللّه عنه - في أثر أبي بكر.فأذن بها في الناس - بكل ما تضمنته من أحكام نهائية ومنها ألا يطوف بعد العام بالبيت مشرك.
وقد روى الترمذي عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ،قَالَ:سَأَلْنَا عَلِيًّا،بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الحَجَّةِ ؟ قَالَ:""بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ:أَنْ لَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ،وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَهْدٌ فَهُوَ إِلَى مُدَّتِهِ،وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ،وَلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ،وَلَا يَجْتَمِعُ المُشْرِكُونَ وَالمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا"" [2] ...
وهذا الخبر هو أصح ما ورد في هذا الباب.فنكتفي به.
«بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ..
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14 /109] ذكرته بطوله
(2) - سنن الترمذى- المكنز [3 /484] (880) ومسند البزار ( المطبوع باسم البحر الزخار [3 /34] (785) وتفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [14 /106] ( 16373) وتفسير ابن كثير - دار طيبة [4 /106] صحيح
وأما الرواية التي عَنْ أَبِي بَكْرٍ،أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَهُ بِبَرَاءَةٌ لأَهْلِ مَكَّةَ:لاَ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ،مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُدَّةٌ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ،وَاللَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ قَالَ:فَسَارَ بِهَا ثَلاثًا،ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ:رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:الْحَقْهُ فَرُدَّ عَلَيَّ أَبَا بَكْرٍ وَبَلِّغْهَا أَنْتَ،قَالَ:فَفَعَلَ،قَالَ:فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَبُو بَكْرٍ بَكَى،قَالَ:يَا رَسُولَ اللهِ،حَدَثَ فِيَّ شَيْءٌ ؟ قَالَ:مَا حَدَثَ فِيكَ إِلاَّ خَيْرٌ،وَلَكِنْ أُمِرْتُ أَنْ لاَ يُبَلِّغَهُ إِلاَّ أَنَا،أَوْ رَجُلٌ مِنِّي."مسند أحمد (عالم الكتب) [1 /74] (4) ضعيف"
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في"منهاج السنة"5 / 63:وكذلك قوله"لا يؤدي عني إلا علي"من الكذب،وقال الخطابي في كتاب"شعار الدين":وقوله:"لا يؤدي عني إلا رجلٌ من أهل بيتي"هو شيء جاء به أهلُ الكوفة عن زيد بن يُثيع،وهو متهم في الرواية منسوب إلى الرفض،وعامة من بَلَّغ عنه غير أهل بيته،فقد بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعو الناسَ إلى الإسلام،ويعلم الأنصار القرآن،ويفقههم في الدين،وبعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين في مثل ذلك،وبعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن،وبعث عتاب بن أَسيد إلى مكة:فأين قول من زعم أنه لم يبلغ عنه إلا رجل من أهل بيته ؟!