نَقْضِهِ،وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَجَّلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مَنْ كَانَ قَدْ نَقْضَ عَهْدَهُ قَبْلَ التَّأْجِيلِ أَوْ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ إِلَى أَجَلٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ،فَأَمَّا مَنْ كَانَ أَجَلُ عَهْدِهِ مَحْدُودًا وَلَمْ يَجْعَلْ بِنِقْضِهِ عَلَى نَفْسِهِ سَبِيلًا،فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ بِإِتْمَامِ عَهْدِهِ إِلَى غَايَةِ أَجَلِهِ مَأْمُورًا،بِذَلِكَ بَعَثَ مُنَادِيَهُ يُنَادِي بِهِ فِي أَهْلِ الْمَوْسِمِ مِنَ الْعَرَبِ" [1] ."
وقال في تعقيب آخر على الروايات المتعددة في شأن العهود:
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ:فَقَدْ أَنْبَأَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ وَنَظَائِرُهَا عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا ،وَأَنَّ أَجَلَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ إِنَّمَا كَانَ لِمَنْ وَصَفْنَا ،فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَهْدُهُ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَمْ يَجْعَلْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلِلْمُؤْمِنِينَ لِنَقْضِهِ وَمُظَاهَرَةِ أَعْدَائِهِمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ،فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ وَفَّى لَهُ عَهْدَهُ إِلَى مُدَّتِهِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ ،وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - . وَأَمَّا الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ فَإِنَّهَا كَانَتْ أَجَلَ مَنْ ذَكَرْنَا ،وَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَانْقِضَاؤُهَا انْقِضَاءَ عَشْرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ ،فَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مُتَتَابِعَةٌ ،جُعِلَ لِأَهْلِ الْعَهْدِ الَّذِينَ وَصَفْنَا أَمْرَهُمْ فِيهَا السِّيَاحَةُ فِي الْأَرْضِ ،يَذْهَبُونَ حَيْثُ شَاءُوا ،لَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ بِحَرْبٍ وَلَا قَتْلٍ وَلَا سَلْبٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ:فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتُ ،فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ:فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ انْسِلَاخَهَا انْسِلَاخُ الْمُحَرَّمِ ،وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّ تَأْجِيلَ الْقَوْمِ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ كَانَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ،وَإِنَّمَا بَيْنَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَانْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ خَمْسُونَ يَوْمًا أَكْثَرُهُ ،فَأَيْنَ الْخَمْسُونَ يَوْمًا مِنَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ ؟ قِيلَ:إِنَّ انْسِلَاخَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِنَّمَا كَانَ أَجَلَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،وَالْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ لِمَنْ لَهُ عَهْدَ ،إِمَّا إِلَى أَجَلٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ وَإِمَّا إِلَى أَجَلٍ مَحْدُودٍ قَدْ نَقَضَهُ ،فَصَارَ بِنَقْضِهِ إِيَّاهُ بِمَعْنَى مَنْ خِيفَ خِيَانَتُهُ ،فَاسْتَحَقَّ النَّبْذَ إِلَيْهِ عَلَى سَوَاءٍ ،غَيْرَ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ الِاسْتِعْدَادَ لِنَفْسِهِ وَالِارْتِيَادَ لَهَا مِنَ الْأَجَلِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ ،أَلَا تَرَى اللَّهَ يَقُولُ لِأَصْحَابِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ ،وَيَصِفُهُمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ عَهْدٍ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَوَصَفَ الْمَجْعُولَ لَهُمُ انْسِلَاخُ الْأَشْهُرِ الْحَرَامِ أَجَلًا بِأَنَّهُمْ أَهْلُ شِرْكٍ لَا أَهْلَ عَهْدٍ ،فَقَالَ:وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ الْآيَةَ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْآيَةَ ،ثُمَّ قَالَ:فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا عَهْدَ لَهُمْ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ،وَبِإِتْمَامِ عَهْدِ الَّذِينَ لَهُمْ عَهْدٌ إِذَا لَمْ يَكُونُوا نَقَضُوا عَهْدَهُمْ بِالْمُظَاهَرَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَإِدْخَالِ النَّقْصِ فِيهِ عَلَيْهِمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ:وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ التَّأْجِيلِ كَانَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ دُونَ أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ عَلَى مَا قَالَهُ قَائِلُو ذَلِكَ ؟ قِيلَ لَهُ:إِنَّ قَائِلِي ذَلِكَ زَعَمُوا
(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ >> سُورَةُ التَّوْبَةِ >> الْقَوْلُ فِي تَفْسِيرِ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا التَّوْبَةُ:بَرَاءَةٌ مِنَ >> (15023 - 15025)