فهرس الكتاب

الصفحة 2173 من 4997

وحده،فلم يرعوا معه هذه الخصلة وهموا بإخراجه ثم تآمروا على حياته وبيتوا قتله في بيت اللّه الحرام،بلا تحرج ولا تذمم مما يتحرجون منه ويتذممون مع أصحاب الثارات! ..كذلك كانوا هم الذين هموا بقتال المسلمين وحربهم في المدينة.فهم الذين أصروا - بقيادة أبي جهل - على ملاقاة المسلمين بعد أن نجت القافلة التي خرجوا لها ثم قاتلوهم بادئين في أحد وفي الخندق.ثم جمعوا لهم في حنين كذلك ..وكلها وقائع حاضرة أو ذكريات قريبة وكلها تنم عن الإصرار الذي يصفه قول اللّه تعالى: «وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا» كما تنم عن طبيعة العلاقة بين المعسكر الذي يعبد آلهة من دون اللّه تجاه المعسكر الذي لا يعبد إلا اللّه ..

وحين يستعرض السياق هذا الشريط الطويل من الذكريات والمواقف والأحداث،في هذه اللمسات السريعة العميقة الإيقاع في قلوب المسلمين،يخاطبهم: «أَتَخْشَوْنَهُمْ؟» ..

فإنهم لا يقعدون عن قتال المشركين هؤلاء إلا أن تكون هي الخشية والخوف والتهيب! ويعقب على السؤال بما هو أشد استجاشة للقلوب من السؤال: «فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ،إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ..

إن المؤمن لا يخشى أحدا من العبيد.فالمؤمن لا يخشى إلا اللّه.فإذا كانوا يخشون المشركين فاللّه أحق بالخشية،وأولى بالمخافة وما يجوز أن يكون لغيره في قلوب المؤمنين مكان! وإن مشاعر المؤمنين لتثور وهي تستجاش بتلك الذكريات والوقائع والأحداث ..وهم يذكرون بتآمر المشركين على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ..وهم يستعرضون نكث المشركين لعهودهم معهم وتبييتهم لهم الغدر كلما التمسوا منهم غرة،أو وجدوا في موقفهم ثغرة.وهم يتذكرون مبادأة المشركين لهم بالعداء والقتال بطرا وطغيانا ..وفي غمرة هذه الثورة يحرض المؤمنين على القتال: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ،وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ،وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ» ..

قاتلوهم يجعلكم اللّه ستار قدرته،وأداة مشيئته،فيعذبهم بأيديكم ويخزهم بالهزيمة وهم يتخايلون بالقوة،وينصركم عليهم ويشف صدور جماعة من المؤمنين ممن آذاهم وشردهم المشركون.يشفها من غيظها المكظوم،بانتصار الحق كاملا،وهزيمة الباطل،وتشريد المبطلين ..

وليس هذا وحده ولكن خيرا آخر ينتظر وثوابا آخر ينال: «وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» ..

فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان،ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون المسلمين ينصرون،ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم،ويرون آثار الإيمان في مواقفهم - وهذا ما كان فعلا - وعندئذ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم،وأجر هداية الضالين بأيديهم وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين التائبين: « وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .

عليم بالعواقب المخبوءة وراء المقدمات.حكيم يقدر نتائج الأعمال والحركات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت