اللّه،ويصرّف حياته الفقه الإسلامي - ويحتقر الذين يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس بمثل هذه المباحث في أقضية لا وجود لها بالفعل ويسميهم «الأرأيتيين» الذين يقولون: «أرأيت لو أن كذا وقع فما هو الحكم؟» إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدء في أول عهد الناس برسالة الإسلام ..أن يوجد في بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق فيشهدوا أن لا إله إلا اللّه،وأن محمدا رسول اللّه ..ومن ثم يدينون للّه وحده بالحاكمية والسلطان والتشريع ويطبقون هذا في واقع الحياة ..ثم يحاولون أن ينطلقوا في الأرض بهذا الإعلان العام لتحرير الإنسان ..ويومئذ - ويومئذ فقط - سيكون هناك مجال لتطبيق النصوص القرآنية والأحكام الإسلامية في مجال العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات ..ويومئذ - ويومئذ فقط - يجوز الدخول في تلك المباحث الفقهية،والاشتغال بصياغة الأحكام،والتقنين للحالات الواقعة التي يواجهها الإسلام بالفعل،لا في عالم النظريات! وإذا كنا قد تعرضنا لتفسير هذه الآية - من ناحية الأصل والمبدأ - فإنما فعلنا هذا لأنها تتعلق بمسألة اعتقادية وترتبط بطبيعة المنهج الإسلامي.وعند هذا الحد نقف،فلا نتطرق وراءه إلى المباحث الفقهية الفرعية احتراما لجدية المنهج الإسلامي وواقعيته وترفعه على هذا الهزال! «وَقالَتِ الْيَهُودُ:عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى:الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ،يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ.قاتَلَهُمُ اللَّهُ! أَنَّى يُؤْفَكُونَ؟» ..
لما أمر اللّه المسلمين بقتال أهل الكتاب «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» ..كانت هنالك ملابسات في واقع المجتمع المسلم في المدينة - تحدثنا عنها في تقديم السورة وتقديم المقطع الأول منها - تدعو إلى توكيد هذا الأمر وتقويته وجلاء الأسباب والعوامل التي تحتمه وإزالة الشبهات والمعوقات التي تحيك في بعض النفوس تجاهه.وبخاصة أن طاعة هذا الأمر كانت تقتضي مواجهة الروم في أطراف الشام.والروم كانوا مرهوبين من العرب قبل الإسلام وكانوا مسيطرين على شمال الجزيرة لفترة طويلة ولهم أعوان من القبائل العربية،وسلطنة خاضعة لنفوذهم هي سلطنة الغساسنة ..وحقيقة أن هذه لم تكن أول ملحمة يخوضها المسلمون مع الروم،بعد أن أعز اللّه أولئك العرب بالإسلام،وجعل منهم أمة تواجه الروم والفرس بعد أن كانوا قبائل لا تجرؤ ولا تفكر في الالتحام بالروم والفرس وكل ما عرف عنها من شجاعة إنما يتبدى في قتال بعضها لبعض،وفي الغارات والثارات والنهب والسلب! ولكن مهابة الروم كانت ما تزال باقية في أعماق النفوس - وبخاصة تلك التي لم يتم انطباعها بالطابع الإسلامي الأصيل - وكانت آخر ملحمة كبيرة بين المسلمين والروم - وهي غزوة مؤتة - ليست في صالح المسلمين.وقد احتشد فيها من الروم وعملائهم من نصارى العرب ما روي أنه مائتا ألف! كل هذه الملابسات - سواء ما يتعلق منها بتركيب المجتمع المسلم في هذه الفترة أو ما يختص برواسب المهابة للروم والتخوف من الالتحام معهم مضافا إليها ظروف الغزوة ذاتها - وقد سميت غزوة العسرة لما سنبينه من الظروف التي أحاطت بها - وفوق ذلك كله شبهة أن الروم وعمالهم من نصارى العرب