هم أهل كتاب ..كل هذه الملابسات دعت إلى زيادة الإيضاحات والبيانات القوية لتقرير حتمية هذا الأمر،وإزالة الشبهات والمعوقات النفسية،وجلاء الأسباب والعوامل لتلك الحتمية ..
وفي هذه الآية يبين السياق القرآني ضلال عقيدة أهل الكتاب هؤلاء وأنها تضاهئ عقيدة المشركين من العرب،والوثنيين من قدامى الرومان وغيرهم.وأنهم لم يستقيموا على العقيدة الصحيحة التي جاءتهم بها كتبهم فلا عبرة إذن بأنهم أهل كتاب،وهم يخالفون في الاعتقاد الأصل الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في كتبهم.والذي يلفت النظر هو ذكر اليهود هنا وقولهم:عزير ابن اللّه في حين أن الآيات كانت بصدد التوجيه والتحضير لمواجهة الروم وحلفائهم من نصارى العرب ..وذلك - على ما نرجح - يرجع إلى أمرين:
الأول:أنه لما كان نص الآيات عاما والأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون عاما فقد اقتضى السياق بيان الأصل الاعتقادي الذي يستند إليه هذا الأمر العام في شأن أهل الكتاب عامة من اليهود والنصارى سواء.
الثاني:أن اليهود كانوا قد رحلوا من المدينة إلى أطراف الشام بعد ما اشتبكوا مع الإسلام والمسلمين في حرب مريرة منذ مقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة.انتهت بإجلاء بني قينقاع وبني النضير إلى أطراف الشام هم وأفراد من بني قريظة.فكان اليهود يومئذ في طريق الانطلاق الإسلامي إلى أطراف الشام.مما اقتضى أن يشملهم ذلك الأمر،وأن يشملهم هذا البيان.
وقول النصارى: «المسيح ابن اللّه» معلوم مشهور وما تزال عليه عقائدهم حتى اللحظة منذ أن حرفها بولس،ثم تم تحريفها على أيدي المجامع المقدسة - كما سنبين - فأما قول اليهود: «عزير ابن اللّه» فليس شائعا ولا معروفا اليوم.والذي في كتب اليهود المدونة الباقية سفر باسم «عزرا» - وهو عزير - نعت فيه بأنه كاتب ماهر في توراة موسى،وأنه وجه قلبه لالتماس شريعة الرب ..ولكن حكاية هذا القول عن اليهود في القرآن دليل قاطع على أن بعضهم على الأقل - وبخاصة يهود المدينة - زعموا هذا الزعم،وراج بينهم وقد كان القرآن يواجه اليهود والنصارى مواجهة واقعية ولو كان فيما يحكيه من أقوالهم ما لا وجود له بينهم لكان هذا حجة لهم على تكذيب ما يرويه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولما سكتوا عن استخدام هذا على أوسع نطاق!
وقد أورد المرحوم الشيخ رشيد رضا في الجزء العاشر من تفسير المنار (ص 378 - ص 385) خلاصة مفيدة عن مكانة عزرا عند اليهود وعلق عليها كذلك تعليقا مفيدا ننقل منه هنا فقرات تفيدنا في بيان حقيقة ما عليه اليهود إجمالا.قال:
جَاءَ فِي دَائِرَةِ الْمَعَارِفِ الْيَهُودِيَّةِ الْإِنْكِلِيزِيَّةِ (طَبْعَةَ 1903) أَنَّ عَصْرَ عِزْرَا هُوَ رَبِيعُ التَّارِيخِ الْمِلِّيِّ لِلْيَهُودِيَّةِ الَّذِي تَفَتَّحَتْ فِيهِ أَزْهَارُهُ وَعَبَقَ شَذَا وَرْدِهِ .وَأَنَّهُ جَدِيرٌ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ نَشْرَ الشَّرِيعَةِ (وَفِي