فهرس الكتاب

الصفحة 2229 من 4997

بَيْدَ أَنَّ حُرِّيَّةَ الْفِكْرِ،وَحُبَّ الْعِلْمِ اللَّذَيْنِ تَغَلْغَلَا فِي أُورُبَّةَ بَعْدَ الْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ قَاوَمَا هَذِهِ السَّيْطَرَةِ الْكَنِيسِيَّةِ،فَوُجِدَ تَعْلِيمٌ حُرٌّ،وَتَفْكِيرٌ حُرٌّ،وَتَصْنِيفٌ حُرٌّ،وَلَكِنَّ التَّرْبِيَةَ الْحُرَّةَ لَا تَزَالُ قَلِيلَةً وَضَعِيفَةً بِمَا لِلتَّأْثِيرِ السِّيَاسِيِّ وَالدِّينِيِّ مِنَ الْقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ .

أَعْقَبَتْ هَذِهِ الْحُرِّيَّاتُ وَمَا اقْتَضَاهُ الْأَخِصَّاءُ فِي فُرُوعِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ،مِنْ عِنَايَةِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بِدِرَاسَةِ الْكُتُبِ الْإِسْلَامِيَّةِ،وَكَانَ مِمَّا أَثْمَرَتْهُ سِيَاحَةُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَبْلِهَا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ،أَنِ اطَّلَعَ الْأَفْرَادُ بَعْدَ الْأَفْرَادِ مِنْ كُلِّ شَعْبٍ مِنْ شُعُوبِ الْإِفْرِنْجِ عَلَى كُتُبِ الْإِسْلَامُ الصَّحِيحَةِ،وَتَرْجَمُوا كَثِيرًا مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِمُ الْعِلْمِيَّةِ،وَشَاهَدُوا عِبَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ،وَأَحَاطُوا عِلْمًا بِتَارِيخِهِمْ وَسَمَحَ اتِّسَاعُ حُرِّيَّةِ الْعِلْمِ لِمُسْتَقِلِّي الْفِكْرِ مِنْهُمْ أَنْ يُصَرِّحُوا قَوْلًا وَكِتَابَةً بِمَا عَلِمُوا مِنْ ذَلِكَ،فَشَهِدَ الْكَثِيرُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ بِأَنَّ عَقِيدَةَ الْإِسْلَامِ أَكْمَلُ عَقَائِدِ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ الَّتِي يَتَقَبَّلُهَا الْعَقْلُ السَّلِيمُ بِالتَّسْلِيمِ،وَأَنَّ عِبَادَاتِهِ مُوَافِقَةٌ لِلْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ،وَأَنَّ أَحْكَامَهُ عَادِلَةٌ،وَقَدْ أَلَّفُوا فِي ذَلِكَ كُتُبًا كَثِيرَةً فَنَّدُوا فِيهَا مَطَاعِنَ رِجَالِ الْكَنِيسَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .وَقَدْ نَشَرْنَا بَعْضَ هَذِهِ الشَّهَادَاتِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَنَارِ،مِنْ أَهَمِّهَا مَا جَاءَ فِي الْمُجَلَّدِ الْخَامِسِ (مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ) لِلْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى،وَقَدْ جُمِعَتْ فِي كِتَابٍ مُسْتَقِلٍّ .وَمِنْهَا كِتَابُ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِلْأُسْتَاذِ أَرْنُولْدَ الْإِنْكِلِيزِيِّ .وَقَدْ كَتَبَ فَيْلَسُوفُ التَّارِيخِ وَالِاجْتِمَاعِ غُوسْتَافُ لُوبُونُ الْفَرَنْسِيُّ رُقْعَةً بَرِيدِيَّةً لِأَدِيبٍ تُرْكِيٍّ بَعْدَ الْحَرْبِ الْكُبْرَى قَالَ فِيهَا:إِنَّهُ أَلَّفَ كِتَابًا كَبِيرًا فِي (حَضَارَةِ الْعَرَبِ) ; لِيُثْبِتَ لِقَوْمِهِ أَنَّ الْعَرَبَ الْمُسْلِمِينَ أَسَاتِذَةُ أُورُبَّةَ كُلِّهَا فِي مَدَنِيَّتِهَا الْحَاضِرَةِ وَعُلُومِهَا . (قَالَ) :وَلَكِنَّ التَّرْبِيَةَ الْإِكْلِيرْكِيَّةَ (الْكَاثُولِيكِيَّةَ) الْمُسَيْطِرَةَ عَلَى أَكْثَرِ الشَّعْبِ حَالَتْ دُونَ عِلْمِهِ وَإِذْعَانِهِ لِذَلِكَ اهـ .وَلَا نَزَالُ نَنْشُرُ بَعْضَ هَذِهِ الشَّهَادَاتِ،وَكَانَ آخِرُهَا مَا نَشَرْنَاهُ فِي هَذَا الْعَامِ (1348 هـ) مِنْ مُقَدِّمَةِ تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ لِلْعَالِمِ السُّوِيسْرِيِّ (مِسْيُو مُونْتِيهَ) الَّذِي أَظْهَرَ فِيهَا تَعَجُّبَهُ مِنْ إِيمَانِ نَصَارَى أُورُبَّةَ بِأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ،وَعَدَمِ إِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وَذَكَرَ مِنْ خَبَرِ نُبُوَّتِهِ مَا هُوَ خُلَاصَةٌ لِمَا وَرَدَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ .

وَإِنَّمَا عَثَرَتْ أَفْكَارُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ الْمَسَائِلِ الَّتِي عَثَرَتْ فِيهَا أَقْلَامُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ كَمَسْأَلَةِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ،فَلَمْ يُوَفَّقُوا لِفَهْمِهَا وَلَا لِبَيَانِهَا كَمَا يَجِبُ،وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بَعْضَ الْمَسَائِلِ الْمُخَالِفَةِ لِتَقَالِيدِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ وَتَرْبِيَتِهِمْ كَالطَّلَاقِ وَتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ،وَهِيَ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ مَسَائِلِ الضَّرُورَاتِ،ثُمَّ قَبِلَتْ جَمِيعُ شُعُوبِهِمْ وَحُكُومَاتِهِمْ حُكْمَ الطَّلَاقِ،وَأَفْرَطُوا فِيهِ بِمَا لَا يُبِيحُهُ الْإِسْلَامُ،وَلَوْلَا فُشُوُّ الزِّنَا فِي بِلَادِهِمْ لَاضْطُرُّوا إِلَى قَبُولِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ أَيْضًا،وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ أُورُبَّةَ الَّذِينَ اغْتَالَتْ حَرْبُ الْمَدَنِيَّةِ الْأَخِيرَةُ زُهَاءَ عِشْرِينَ مِلْيُونًا مِنْ رِجَالِهِمْ .

وَتَصَدَّى بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْقَرْنِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي بِلَادِ الْإِنْكِلِيزِ،ثُمَّ فِي غَيْرِهَا فَأَسْلَمَ بَعْضُ النَّاسِ بِدَعْوَتِهِمْ،عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى الْإِسْلَامِ لَا تَزَالُ ضَعِيفَةً بِضَعْفِ عِلْمِ أَكْثَرِ دُعَاتِهَا،وَابْتِدَاعٍ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت