فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 4997

لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا:آمَنَّا.وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا:إِنَّا مَعَكُمْ،إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ.اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ،وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى،فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» ..

لقد كانت هذه صورة واقعة في المدينة ولكننا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان نجدها نموذجا مكرورا في أجيال البشرية جميعا.نجد هذا النوع من المنافقين من علية الناس الذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح،أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح.وهم في الوقت ذاته يتخذون لأنفسهم مكان المترفع على جماهير الناس،وعلى تصورهم للأمور! ومن ثم نميل إلى مواجهة هذه النصوص كما لو كانت مطلقة من مناسبتها التاريخية،موجهة إلى هذا الفريق من المنافقين في كل جيل.وإلى صميم النفس الإنسانية الثابت في كل جيل.

إنهم يدّعون الإيمان باللّه واليوم الآخر.وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين.إنما هم منافقون لا يجرؤون على الإنكار والتصريح بحقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين.وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم،فهم لا يخادعون المؤمنين،إنما يخادعون اللّه كذلك أو يحاولون: «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا» ..

وفي هذا النص وأمثاله نقف أمام حقيقة كبيرة،وأمام تفضل من اللّه كريم ..تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائما ويقررها،وهي حقيقة الصلة بين اللّه والمؤمنين.إنه يجعل صفهم صفه،وأمرهم أمره.وشأنهم شأنه.يضمهم سبحانه إليه،ويأخذهم في كنفه،ويجعل عدوهم عدوه،وما يوجه إليهم من مكر موجها إليه - سبحانه - وهذا هو التفضل العلوي الكريم ..التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوي السامق والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق،والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لا حد لها،وهو يرى اللّه - جل شأنه - يجعل قضيته هي قضيته،ومعركته هي معركته،وعدوه هو عدوه،ويأخذه في صفه،ويرفعه إلى جواره الكريم ..فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير؟! وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم،وإيصال الأذى إليهم.

تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع اللّه القوي الجبار القهار.وأنهم إنما يحاربون اللّه حين يحاربون أولياءه،وإنما يتصدون لنقمة اللّه حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة.

وهذه الحقيقة من جانبيها جديرة بأن يتدبرها المؤمنون ليطمئنوا ويثبتوا ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين،ولا خداع الخادعين،ولا أذى الشريرين.ويتدبرها أعداء المؤمنين فيفزعوا ويرتاعوا ويعرفوا من الذي يحاربونه ويتصدون لنقمته حين يتصدون للمؤمنين ..

ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون اللّه والذين آمنوا بقولهم:آمنا باللّه وباليوم الآخر.ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء ..ولكن يا للسخرية! يا للسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت