فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 4997

«وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ،وَما يَشْعُرُونَ» ..

إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن اللّه بخداعهم عليم والمؤمنون في كنف اللّه فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم.أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها.يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق،ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين.وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه،والنفاق الذي يظهرونه.وينتهون بها إلى شر مصير!

ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة؟ ولما ذا يخادعون هذا الخداع؟

«فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» ..في طبيعتهم آفة.في قلوبهم علة.وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم.ويجعلهم يستحقون من اللّه أن يزيدهم مما هم فيه: «فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا» ..فالمرض ينشئ المرض،والانحراف يبدأ يسيرا،ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد.سنة لا تتخلف.سنة اللّه في الأشياء والأوضاع،وفي المشاعر والسلوك.فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم.المصير الذي يستحقه من يخادعون اللّه والمؤمنين: «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» ..

وصفة أخرى من صفاتهم - وبخاصة الكبراء منهم الذين كان لهم في أول العهد بالهجرة مقام في قومهم ورياسة وسلطان كعبد اللّه بن أبي بن سلول - صفة العناد وتبرير ما يأتون من الفساد،والتبجح حين يأمنون أن يؤخذوا بما يفعلون: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ،قالُوا:إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ.أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ،وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ» ..

إنهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع،بل يضيفون إليهما السفه والادعاء: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» ..لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد،بل تجاوزوه إلى التبجح والتبرير: «قالُوا:إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ» ..

والذين يفسدون أشنع الفساد،ويقولون:إنهم مصلحون،كثيرون جدا في كل زمان.يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم.ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم.

والذين لا يخلصون سريرتهم للّه يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم،لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية،ولا يثوب إلى قاعدة ربانية ..

ومن ثم يجيء التعقيب الحاسم والتقرير الصادق: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ،وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ» ..

ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس،ليكسبوا لأنفسهم مقاما زائفا في أعين الناس: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ:آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ،قالُوا:أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ؟ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ،وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ» ..

وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء.إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة،وأسلموا وجوههم للّه،وفتحوا صدورهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت