فهرس الكتاب

الصفحة 2342 من 4997

رَجُلٌ يَرْكُضُ عَلَى فَرَسٍ يُبَشِّرُنِي،فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ فَرَسِهِ،فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبِي بِشَارَةً،وَلَبِسَتْ ثَوْبَيْنِ آخَرِينَ.

وَكَانَتْ تَوْبَتُنَا نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ثُلُثَ اللَّيْلِ،فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ:يَا نَبِيَّ اللهِ أَلاَ نُبَشِّرُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ،فَقَالَ:إِذًا يَحْطِمُكُمُ النَّاسُ وَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ.

قَالَ:وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي،تُخْبِرُنِي بِأَمْرِي،فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ الْمُسْلِمُونَ،وَهُوَ يَسْتَنِيرُ كَاسْتِنَارِ الْقَمَرِ ،وَكَانَ إِذَا سُرَّ بِالأَمْرِ اسْتَنَارَ،فَجِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ،فَقَالَ:يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ،أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ أَتَى عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ،قَالَ:فَقُلْتُ:يَا نَبِيَّ اللهِ،أَمِنْ عِنْدِ اللهِ أُمْ مِنْ عِنْدِكَ ؟ قَالَ:بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ،ثُمَّ تَلاَ عَلَيْهِمْ {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} [التوبة] ،حَتَّى بَلَغَ {هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة] ،قَالَ:وَفِينَا نَزَلَتِ {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة] ،قَالَ:فَقُلْتُ:يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنِّي لاَ أُحَدِّثُ إِلاَّ صِدْقًا،وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً إِلَى اللهِ،وَإِلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ:أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ،فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ،قَالَ:فَقُلْتُ:فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ،قَالَ:فَمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ الإِسْلاَمِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ صَدَقْتُهُ أَنَا وَصَاحِبَايَ،أَنْ لاَ نَكُونَ كَذَبْنَا فَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا،وَمَا تَعَمَّدْتُ لِكَذْبَةٍ بَعْدُ،وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِيَ اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ.

قَالَ الزُّهْرِيُّ:فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ [1]

هذه هي قصة الثلاثة الذين خلفوا - كما رواها أحدهم كعب بن مالك - وفي كل فقرة منها عبرة،وفيها كلها صورة بارزة الخطوط عن القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي،ومتانة بنائها،وصفاء عناصرها،ونصاعة تصورها لمعنى الجماعة،ولتكاليف الدعوة،ولقيمة الأوامر،ولضرورة الطاعة.

فهذا كعب بن مالك - وزميلاه - يتخلفون عن ركب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في ساعة العسرة.

يدركهم الضعف البشري الذي يحبب إليهم الظل والراحة،فيؤثرونهما على الحر والشدة والسفر الطويل والكد الناصب.ولكن كعبا ما يلبث بعد خروج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يحس ما فعل،يشعره به كل ما حوله: «فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يحزنني أنني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق،أو رجلا ممن عذر اللّه» - يعني بمن عذر اللّه الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون.

فالعسرة لم تقعد بالمسلمين عن تلبية دعوة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزوة البعيدة الشقة.لم يقعد إلا المطعون فيهم المظنون بهم النفاق،وإلا العاجزون الذين عذرهم اللّه.أما القاعدة الصلبة للجماعة المسلمة فكانت أقوى روحا من العسرة،وأصلب عودا من الشدة ..

(1) - صحيح مسلم- المكنز [18 /1] ( 7192 ) وصحيح ابن حبان [8 /156] ( 3370)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت