هذه واحدة.
والثانية هي التقوى.التقوى التي تلجئ المخطئ إلى الصدق والإقرار.والأمر بعد ذلك للّه:«فقلت:
يا رسول اللّه،واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر.لقد أعطيت جدلا.ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن اللّه أن يسخطك علي.
ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى من اللّه.واللّه ما كان لي عذر.واللّه ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك».
فاللّه حاضر في ضمير المؤمن المخطئ.ومع حرصه البالغ على رضى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهذا الرضى يومئذ يعز ويذل ويرفع ويخفض ويترك المسلم مرموقا بالأنظار أو مهملا لا ينظر إليه إنسان - مع هذا فإن مراقبة اللّه أقوى وتقوى اللّه أعمق والرجاء في اللّه أوثق.
« ونهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الناس عن كلامنا.أيها الثلاثة.من بين من تخلف عنه،فاجتنبنا الناس - أو قال:تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف.فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم.فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين،وأطوف بالأسواق،فلا يكلمني أحد.وآتي رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه في مجلسه بعد الصلاة،وأقول في نفسي:هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر،فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي،فإذا التفت نحوه أعرض عني.حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه فو اللّه ما رد علي السلام.فقلت له:يا أبا قتادة أنشدك اللّه تعالى.هل تعلم أني أحب اللّه ورسوله؟ قال:فسكت.
قال:فعدت فنشدته فسكت،فعدت فنشدته.قال:اللّه ورسوله أعلم.ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار» ..
هكذا كان الضبط،وهكذا كانت الطاعة في الجماعة المسلمة - على الرغم من كل ما وقع من خلخلة بعد الفتح ومن بلبلة في ساعة العسرة - ..نهى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة.فلا مخلوق يفتح فمه بكلمة،ولا مخلوق يلقى كعبا بأنس،ولا مخلوق يأخذ منه أو يعطي.حتى ابن عمه وأحب الناس إليه،وقد تسور عليه داره،لا يرد عليه السلام،ولا يجيبه عن سؤال.فإذا أجاب بعد الإلحاح لم يطمئن لهفته ولم يسكن قلقه،إنما قال: «اللّه ورسوله أعلم» .
وكعب في لهفته - وقد تنكرت له الأرض فلم تعد الأرض التي كان يعرف - يتلمس حركة من بين شفتي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويخالسه النظر لعله يعلم أن رسول اللّه قد ألقى إليه بنظرة يحيا على الأمل فيها،ويطمئن إلى أنه لم يقطع من تلك الشجرة،ولم يكتب له الذبول والجفاف! وبينما هو طريد