فهرس الكتاب
يصنعه الإنسان،لا يقاس في شيء إلى صنع اللّه.بينما هم يمرون غافلين بالبدائع الإلهية في الكون وفي أنفسهم كأنهم لا يبصرون ولا يدركون!
«وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ؟» ..وكانوا يعدون الساكن هو الميت،والنامي أو المتحرك هو الحي.فكان مدلول السؤال عندهم مشهودا في خروج النبتة من الحبة،والحبة من النبتة،وخروج الفرخ من البيضة،والبيضة من الفرخ ..إلى آخر هذه المشاهدات.وهو عندهم عجيب.وهو في ذاته عجيب حتى بعد أن عرف أن الحبة والبيضة وأمثالهما ليست في الموتى بل في الأحياء بما فيها من حياة كامنة واستعداد.فإن كمون الحياة بكل استعداداتها ووراثاتها وسماتها وشياتها لأعجب العجب الذي تصنعه قدرة اللّه ..
وإن وقفة أمام الحبة والنواة،تخرج منهما النبتة والنخلة،أو أمام البيضة والبويضة يخرج منهما الفرخ والإنسان،لكافية لاستغراق حياة في التأمل والارتعاش! وإلا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود؟ وأين كانت تلك الجذور والساق والأوراق؟ ..
وأين في النواة كان يكمن اللب واللحاء،والساق السامقة والعراجين والألياف؟ وأين يكمن كان الطعم والنكهة واللون والرائحة،والبلح والتمر،والرطب والبسر ...؟
وأين في البيضة كان الفرخ؟ وأين يكمن كان العظم واللحم،والزغب والريش،واللون والشيات،والرفرفة والصوات ...؟
وأين في البويضة كان الكائن البشري العجيب؟ أين كانت تكمن ملامحه وسماته المنقولة عن وراثات موغلة في الماضي متشعبة المنابع والنواحي؟ أين كانت نبرات الصوت،ونظرات العين،ولفتات الجيد،واستعدادات الأعصاب،ووراثات الجنس والعائلة والوالدين؟ وأين أين كانت تكمن الصفات والسمات والشيات؟
وهل يكفي أن نقول:إن هذا العالم المترامي الأطراف كان كامنا في النبتة والنواة وفي البيضة والبويضة،لينقضي العجب العاجب الذي لا تفسير له ولا تأويل إلا قدرة اللّه وتدبير اللّه؟
وما يزال البشر يكشفون من أسرار الموت وأسرار الحياة،وإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي،وتحول العناصر في مراحل إلى موت أو حياة،ما يزيد مساحة السؤال وعمقه وشموله كل يوم وكل لحظة.وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار إلى دم حي في الجسم الحي،وتحول هذا الدم إلى فضلات ميتة بالاحتراق،لأعجوبة يتسع العجب منها كلما زاد العلم بها.وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار.وإن الحياة لأعجوبة غامضة مثيرة تواجه الكينونة البشرية كلها بعلامات استفهام لا جواب عليها كلها إلا أن يكون هناك إله،يهب الحياة!
«وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ؟» ..في هذا الذي ذكر كله وفي سواه من شؤون الكون وشؤون البشر؟ من يدبر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق؟ ومن يدبر حركة هذه الحياة