فهرس الكتاب

الصفحة 2404 من 4997

فتمضي في طريقها المرسوم بهذا النظام اللطيف العميق؟ ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر،والتي لا تخطئ مرة ولا تحيد؟ ومن ومن؟

«فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ» ..فهم لم يكونوا ينكرون وجود اللّه،أو ينكرون يده في هذه الشؤون الكبار.ولكن انحراف الفطرة كان يقودهم مع هذا الاعتراف إلى الشرك باللّه،فيتوجهون بالشعائر إلى سواه،كما يتبعون شرائع لم يأذن بها اللّه.

«فَقُلْ:أَفَلا تَتَّقُونَ؟» ..أفلا تخشون اللّه الذي يرزقكم من السماء والأرض،والذي يملك السمع والأبصار،والذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي،والذي يدبر الأمر كله في هذا وفي سواه؟ إن الذي يملك هذا كله لهو اللّه،وهو الرب الحق دون سواه: «فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ» ..

والحق واحد لا يتعدد،ومن تجاوزه فقد وقع على الباطل،وقد ضل التقدير: «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ؟ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» ..وكيف توجهون بعيدا عن الحق وهو واضح بين تراه العيون؟

بمثل هذا الانصراف عن الحق الواضح الذي يعترف المشركون بمقدماته وينكرون نتائجه اللازمة،ولا يقومون بمقتضياته الواجبة،قدر اللّه في سننه ونواميسه أن الذين يفسقون وينحرفون عن منطق الفطرة السليم وسنة الخلق الماضية لا يؤمنون: «كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» ..لا لأنه يمنعهم من الإيمان.فهذه دلائله قائمة في الكون،وهذه مقدماته قائمة في اعتقادهم.ولكن لأنهم هم يحيدون عن الطريق الموصل إلى الإيمان،ويجحدون المقدمات التي في أيديهم،ويصرفون أنفسهم عن الدلائل المشهودة لهم،ويعطلون منطق الفطرة القويم فيهم.

ثم عودة إلى مظاهر قدرة اللّه،وهل للشركاء فيها من نصيب.

«قُلْ:هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؟ قُلِ:اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ.فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟ قُلْ:هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؟ قُلِ:اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى ؟ فَما لَكُمْ؟ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟» ...

وهذه الأمور المسئول عنها - من إعادة الخلق وهدايتهم إلى الحق - ليست من بدائه مشاهداتهم ولا من مسلمات اعتقاداتهم كالأولى.ولكنه يوجه إليهم فيها السؤال ارتكانا على مسلماتهم الأولى،فهي من مقتضياتها بشيء من التفكر والتدبر.ثم لا يطلب إليهم الجواب،إنما يقرره لهم اعتمادا على وضوح النتائج بعد تسليمهم بالمقدمات.

«قُلْ:هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ؟» ..وهم مسلمون بأن اللّه هو الذي يبدأ الخلق غير مسلمين بإعادته،ولا بالبعث والنشور والحساب والجزاء ..

ولكن حكمة الخالق المدبر لا تكمل بمجرد بدء الخلق ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض،ولم يبلغوا الكمال المقدر لهم،ولم يلقوا جزاء إحسانهم وإساءتهم،وسيرهم على النهج أو انحرافهم عنه.إنها رحلة ناقصة لا تليق بخالق مدبر حكيم.وإن الحياة الآخرة لضرورة من ضرورات الاعتقاد في حكمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت