فهرس الكتاب
باللّه وبسائر الحقائق الأخرى ..وكذلك عند ما يكون التركيز على قضايا الحياة الدنيا ..إلى آخر هذا النسق من العرض،الواضح الملامح في القرآن.
ثالثا:بكونه - مع تماسك جوانب «الحقيقة» وتناسقها - يحافظ تماما على إعطاء كل جانب من جوانبها - في الكل المتناسق - مساحته التي تساوي وزنه الحقيقي في ميزان اللّه - وهو الميزان - ومن ثم تبدو «حقيقة الألوهية» وخصائصها،وقضية «الألوهية والعبودية» بارزة مسيطرة محيطة شاملة حتى ليبدو أن التعريف بتلك الحقيقة وتجلية هذه القضية هو موضوع القرآن الأساسي [1] ..وتشغل حقيقة عالم الغيب - بما فيه القدر والدار الآخرة - مساحة بارزة.ثم تنال حقيقة الإنسان،وحقيقة الكون،وحقيقة الحياة،أنصبة متناسقة تناسق هذه الحقائق في عالم الواقع ..وهكذا لا تدغم حقيقة من الحقائق،ولا تهمل،ولا تضيع معالمها في المشهد الكلي الذي تعرض فيه هذه الحقائق ..وكما أن هذه الحقائق لا يطغى بعضها على بعض في التصور الإسلامي ذاته - كما بينا في فصل «التوازن» في القسم الأول [2] - حيث لا ينتهي الإعجاب بالكون المادي ودقة نواميسه وتناسق أجزائه وقوانينه إلى تألهه - كمؤلهة العوالم المادية والأكوان الطبيعية قديما وحديثا! - ولا ينتهي الإعجاب بعظمة الحياة واهتدائها إلى وظائفها وتناسقها مع نفسها ومع المحيط الكوني إلى تأليهها - كأصحاب المذهب الحيوي! - ولا ينتهي الإعجاب بالإنسان،وتفرده في خصائصه والاستعدادات الكامنة في كيانه المنطلقة في تعامله مع الكون،إلى تأليه الإنسان - أو العقل - في صورة من الصور - كالمثاليين في عمومهم! - ولا ينتهي الإجلال للحقيقة الإلهية في ذاتها إلى إنكار وجود العوالم المادية أو احتقارها أو احتقار الكائن الإنساني - كالمذاهب الهندوكية والبوذية والنصرانية المحرفة - ..كما أن هذا التوازن هو طابع التصور الإسلامي ذاته،فكذلك هو طابع منهج العرض القرآني لمقومات هذا التصور والحقائق التي يقوم عليها بحيث تبدو كلها واضحة في المشهد الفريد الذي يرسمه للكل في السياق القرآني الواحد! وهي خاصية قرآنية لا يملكها الأداء الإنساني! رابعا:بتلك الحيوية الدافقة المؤثرة الموحية - مع الدقة والتقرير والتحديد الحاسم،وهي تمنح هذه الحقائق حيوية وإيقاعا وروعة وجمالا،لا يتسامى إليها المنهج البشري في العرض ولا الأسلوب البشري في التعبير.ثم هي في الوقت ذاته تعرض في دقة عجيبة،وتحديد حاسم ومع ذلك لا تجور الدقة على الحيوية والجمال،ولا يجور التحديد على الإيقاع والروعة! «ولا يمكن أن نصف نحن في أسلوبنا البشري،ملامح المنهج القرآني،فنبلغ من ذلك
(1) - وقد بينا من قبل في تفسير السورة سر هذه العناية الإلهية بتحقيق هذه الحقيقة وتجلية هذه القضية. راجع من ص 1752 إلى ص 1755 من هذا الجزء. ( السيد رحمه الله )
(2) - يراجع القسم الأول من كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» ص 134 - ص 170. «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )