فهرس الكتاب
ما يبلغه تذوق هذا المنهج.كما أنه لا يمكن أن نبلغ بهذا البحث كله عن «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» شيئا مما يبلغه القرآن في هذا الشأن ..
وما نحاول تقديم هذا البحث للناس إلا لأن الناس قد بعدوا عن القرآن ببعدهم عن الحياة في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن ولم يعودوا يزاولون تلك الملابسات،ولا يعانون تلك الاهتمامات التي كان يزاولها ويعانيها من كان يتنزل عليهم القرآن،بينما هم ينشئون المجتمع المسلم في وجه كل الملابسات القائمة حينذاك.
ومن ثم لم يعد الناس قادرين على تذوق المنهج القرآني ذاته،والاستمتاع بخصائصه ومذاقاته» ...انتهت المقتطفات ..
والقرآن يقدم حقائق العقيدة - أحيانا - في مجالات لا يخطر للفكر البشري عادة أن يلم بها،لأنها ليست من طبيعة ما يفكر فيه عادة أو يلتفت إليه على هذا النحو.
من هذا القبيل ما جاء في سورة الأنعام في تصوير حقيقة العلم الإلهي ومجالاته ..
«وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ،وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ،وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها،وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ،وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» ..
فهذه المطارح المترامية،الخفية والظاهرة،ليست مما يتوجه الفكر البشري إلى ارتيادها على هذا النحو وهو في معرض تصوير شمول العلم مهما أراد تصوير هذا الشمول.ولو أن فكرا بشريا هو الذي يريد تصوير شمول العلم لاتجه اتجاهات أخرى تناسب اهتمامات الإنسان وطبيعة تصوراته ..وذلك كما قلنا في تفسير هذه الآية من قبل في الجزء السابع:
«ننظر إلى هذه الآية القصيرة من أي جانب فنرى هذا الإعجاز الناطق بمصدر هذا القرآن.
ننظر إليها من ناحية موضوعها،فنجزم للوهلة الأولى بأن هذا كلام لا يقوله بشر فليس عليه طابع البشر ..
إن الفكر البشري - حين يتحدث عن مثل هذا الموضوع - موضوع شمول العلم وإحاطته - لا يرتاد هذه الآفاق ..
إن مطارح الفكر البشري وانطلاقاته في هذا المجال لها طابع آخر ولها حدود.إنه ينتزع تصوراته التي يعبر عنها من اهتماماته ..فما اهتمام الفكر البشري بتقصي وإحصاء الورق الساقط من الشجر،في كل أنحاء الأرض؟ إن المسألة لا تخطر على بال الفكر البشري ابتداء.لا يخطر على باله أن يتتبع ويحصي ذلك الورق الساقط في أنحاء الأرض.
ومن ثم لا يخطر له أن يتجه هذا الاتجاه،ولا أن يعبر هذا التعبير عن العلم الشامل!
إنما الورق الساقط شأن يحصيه الخالق ويعبر عنه الخالق! «وما اهتمام الفكر البشري بهذا الإطلاق:«ولا رطب ولا يابس» .إن أقصى ما يتجه إليه تفكير البشر هو الانتفاع بالرطب واليابس مما