فهرس الكتاب

الصفحة 2431 من 4997

وعقيدة أن للّه - سبحانه - ولدا،عقيدة ساذجة،منشؤها قصور في التصور،يعجز عن إدراك الفارق الهائل بين الطبيعة الإلهية الأزلية الباقية،والطبيعة البشرية المخلوقة الفانية والقصور كذلك عن إدراك حكمة السنة التي جرت بتوالد أبناء الفناء،وهو التكملة الطبيعية لما فيهم من نقص وقصور لا يكونان للّه.

فالبشر يموتون،والحياة باقية إلى أجل معلوم،فإلى أن ينقضي هذا الأجل فحكمة الخالق تقتضي امتداد البشر،والولد وسيلة لهذا الامتداد.

والبشر يهرمون ويشيخون فيضعفون.والولد تعويض عن القوة الشائخة بقوة فتية،تؤدي دورها في عمارة الأرض - كما شاء اللّه - وتعين الضعفاء والشيوخ على بقية الحياة.

والبشر يكافحون فيما يحيط بهم،ويكافحون أعداءهم من الحيوان والناس.فهم في حاجة إلى التساند ،والولد أقرب من يكون إلى العون في هذه الأحوال.

والبشر يستكثرون من المال الذي يجلبونه لأنفسهم بالجهد الذي يبذلونه،والولد يعين على الجهد الذي يجلب المال ...وهكذا إلى سائر ما اقتضته حكمة الخالق لعمارة هذه الأرض،حتى ينقضي الأجل،ويقضي اللّه أمرا كان مفعولا.

وليس شيء من ذلك كله متعلقا بالذات الإلهية،فلا الحاجة إلى الامتداد،ولا الحاجة إلى العون عند الشيخوخة،ولا الحاجة إلى النصير،ولا الحاجة إلى المال.ولا الحاجة إلى شيء ما مما يخطر أو لا يخطر على البال متعلقة بذات اللّه تعالى ..

ومن ثم تنتفي حكمة الولد،لأن الطبيعة الإلهية لا يتعلق بها غرض خارج عن ذاتها،يتحقق بالولد.وما قضت حكمة اللّه أن يتوالد البشر إلا لأن طبيعتهم قاصرة تحتاج إلى هذا النوع من التكملة.فهي تقتضي الولد اقتضاء.وليست المسألة جزافا.

ومن ثم كان الرد على فرية: «قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا» ..هو: «سُبْحانَهُ! هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» . «سبحانه! ..» تنزيها لذاته العلية عن مستوى هذا الظن أو الفهم أو التصوّر. «هو الغني» ..بكل معاني الغنى،عن الحاجات التي أسلفنا وعن سواها مما يخطر ومما لا يخطر على البال.مما يقتضي وجود الولد.

والمقتضيات هي التي تسمح بوجود المقتضيات،فلا يوجد شيء عبثا بلا حاجة ولا حكمة ولا غاية. «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» .فكل شيء ملكه.ولا حاجة به - سبحانه - لأن يملك شيئا بمساعدة الولد.

فالولد إذن عبث.تعالى اللّه سبحانه عن العبث! ولا يدخل القرآن الكريم في جدل نظري حول الطبيعة الإلهية والطبيعة الناسوتية،مما جد عند المتكلمين،وفي الفلسفات الأخرى.لأنه يلمس الموضوعات في واقعها القريب إلى الفطرة.ويتعامل مع الموضوع ذاته لا مع فروض جدلية قد تترك الموضوع الحاضر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت