فهرس الكتاب

الصفحة 2432 من 4997

نهائيا وتصبح غرضا في ذاتها! فيكتفي هنا بهذه اللمسة التي تمس واقعهم،وحاجتهم إلى الولد،وتصورهم لهذه الحاجة،وانتفاء وجودها بالقياس إلى اللّه الغني الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض،ليبلغ من نفوسهم موضع الاقتناع أو موضع الإفحام،بلا جدل نظري يضعف أثر اللمسة النفسية التي تستجيب لها الفطرة في يسر وهوادة.

ثم يجبههم بالواقع،وهو أنهم لا يملكون برهانا على ما يدعون.ويسمي البرهان سلطانا،لأن البرهان قوة،وصاحب البرهان قوي ذو سلطان: «إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا» ..

ما عندكم من حجة ولا برهان على ما تقولون. «أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟» ..

وقول الإنسان ما لا يعلم منقصة لا تليق.فكيف إذا كان هذا القول بلا علم على اللّه - سبحانه - ! إنه جريمة إذن أكبر من كل جريمة.فهو أولا ينافي ما يستحقه اللّه من عباده من تنزيه وتعظيم،لأنه وصف له بمقتضيات الحدوث والعجز والنقص والقصور.تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.ولأنه ضلال في تصور العلاقة بين الخالق والمخلوق،ينشأ عنه ضلال في تصور كل علاقات الحياة والناس والمعاملات.فكلها فرع من تصور هذه العلاقة.وكل ما ابتدعه الكهنة لأنفسهم في الوثنيات من سلطان وكل ما ابتدعته الكنيسة لها من سلطان،إنما نشأ عن تصور العلاقة بين اللّه تعالى وبناته الملائكة! أو بين اللّه تعالى وعيسى بن مريم من صلة الأبوة والبنوة،وحكاية الخطيئة،ومنها نشأت مسألة الاعتراف،ومسألة قيام كنيسة المسيح بتوصيل الناس بأبي المسيح (بزعمهم) ..إلى نهاية السلسلة التي متى بدأت الحلقة الأولى فيها بفساد تصور العلاقة بين الخالق والمخلوق فسدت الحلقات التالية كلها في كل ضروب الحياة.

فليست المسألة مجرد فساد في التصور الاعتقادي،ولكنه مسألة الحياة برمتها.وكل ما وقع بين الكنيسة وبين العلم والعقل من عداء،انتهى إلى تخلص المجتمع من سلطان الكنيسة بتخلصه من سلطان الدين نفسه! إنما نشأ من هذه الحلقة.حلقة فساد تصور العلاقة بين اللّه وخلقه.وجر في ذيوله شرا كثيرا تعاني البشرية كلها ويلاته في التيارات المادية وما وراءها من بلايا وأرزاء.

ومن ثم كان حرص العقيدة الإسلامية على تجلية هذه العلاقة تجلية كاملة لا لبس فيها ولا إبهام ..اللّه خالق أزلي باق،لا يحتاج إلى الولد.والعلاقة بينه وبين الناس جميعا هي علاقة الخالق بخلقه دون استثناء.وللكون والحياة والأحياء سنن ماضية لا تتخلف ولا تحابي.فمن اتبع هذه السنن أفلح وفاز،ومن حاد عنها ضل وخسر ..

الناس في هذا كلهم سواء.وكلهم مرجعهم إلى اللّه.وليس هنالك من شفعاء ولا شركاء.وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.ولكل نفس ما عملت.ولا يظلم ربك أحدا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت