فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 4997

يُمِيتُكُمْ،ثُمَّ يُحْيِيكُمْ،ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؟ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..

والكفر باللّه في مواجهة هذه الدلائل والآلاء كفر قبيح بشع،مجرد من كل حجة أو سند ..والقرآن يواجه البشر بما لا بد لهم من مواجهته،والاعتراف به،والتسليم بمقتضياته.يواجههم بموكب حياتهم وأطوار وجودهم.لقد كانوا أمواتا فأحياهم.كانوا في حالة موت فنقلهم منها إلى حالة حياة ولا مفر من مواجهة هذه الحقيقة التي لا تفسير لها إلا بالقدرة الخالقة.إنهم أحياء،فيهم حياة.فمن الذي أنشأ لهم هذه الحياة؟ من الذي أوجد هذه الظاهرة الجديدة الزائدة على ما في الأرض من جماد ميت؟ إن طبيعة الحياة شيء آخر غير طبيعة الموت المحيط بها في الجمادات.فمن أين جاءت؟ إنه لا جدوى من الهروب من مواجهة هذا السؤال الذي يلح على العقل والنفس ولا سبيل كذلك لتعليل مجيئها بغير قدرة خالقة ذات طبيعة أخرى غير طبيعة المخلوقات.من أين جاءت هذه الحياة التي تسلك في الأرض سلوكا آخر متميزا عن كل ما عداها من الموات؟ ..

لقد جاءت من عند اللّه ..هذا هو أقرب جواب ..وإلا فليقل من لا يريد التسليم:أين هو الجواب! وهذه الحقيقة هي التي يواجه بها السياق الناس في هذا المقام: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ؟» ..كنتم أمواتا من هذا الموات الشائع من حولكم في الأرض فأنشأ فيكم الحياة «فَأَحْياكُمْ» ..فكيف يكفر باللّه من تلقى منه الحياة؟

«ثُمَّ يُمِيتُكُمْ» ..ولعل هذه لا تلقى مراء ولا جدلا،فهي الحقيقة التي تواجه الأحياء في كل لحظة،وتفرض نفسها عليهم فرضا،ولا تقبل المراء فيها ولا الجدال.

«ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» ..وهذه كانوا يمارون فيها ويجادلون كما يماري فيها اليوم ويجادل بعض المطموسين،المنتكسين إلى تلك الجاهلية الأولى قبل قرون كثيرة.وهي،حين يتدبرون النشأة الأولى،لا تدعو إلى العجب،ولا تدعو إلى التكذيب.

«ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ..كما بدأكم تعودون،وكما ذرأكم في الأرض تحشرون،وكما انطلقتم بإرادته من عالم الموت إلى عالم الحياة،ترجعون إليه ليمضي فيكم حكمه،ويقضي فيكم قضاءه ..

وهكذا في آية واحدة قصيرة يفتح سجل الحياة كلها ويطوى،وتعرض في ومضة صورة البشرية في قبضة البارئ:ينشرها من همود الموت أول مرة،ثم يقبضها بيد الموت في الأولى،ثم يحييها كرة أخرى،وإليه مرجعها في الآخرة،كما كانت منه نشأتها في الأولى ..وفي هذا الاستعراض السريع يرتسم ظل القدرة القادرة،ويلقي في الحس إيحاءاته المؤثرة العميقة.

ثم يعقب السياق بومضة أخرى مكملة للومضة الأولى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..

ويكثر المفسرون والمتكلمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسماء،يتحدثون عن القبلية والبعدية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت