فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 4997

ويتحدثون عن الاستواء والتسوية ..وينسون أن «قبل وبعد» اصطلاحان بشريان لا مدلول لهما بالقياس إلى اللّه تعالى وينسون أن الاستواء والتسوية اصطلاحان لغويان يقربان إلى التصور البشري المحدود صورة غير المحدود ..ولا يزيدان ..وما كان الجدل الكلامي الذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التعبيرات القرآنية،إلا آفة من آفات الفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية عند اليهود والنصارى،عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية،وللعقلية الإسلامية الناصعة ..وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة،فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام!!

فلنخلص إذن إلى ما وراء هذه التعبيرات من حقائق موحية عن خلق ما في الأرض جميعا للإنسان،ودلالة هذه الحقيقة على غاية الوجود الإنساني،وعلى دوره العظيم في الأرض،وعلى قيمته في ميزان اللّه،وما وراء هذا كله من تقرير قيمة الإنسان في التصور الإسلامي وفي نظام المجتمع الإسلامي ..

« هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا» ..

إن كلمة «لَكُمْ» هنا ذات مدلول عميق وذات إيحاء كذلك عميق.إنها قاطعة في أن اللّه خلق هذا الإنسان لأمر عظيم.خلقه ليكون مستخلفا في الأرض،مالكا لما فيها،فاعلا مؤثرا فيها.إنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض والسيد الأول في هذا الميراث الواسع.ودوره في الأرض إذن وفي أحداثها وتطوراتها هو الدور الأول إنه سيد الأرض وسيد الآلة!

إنه ليس عبدا للآلة كما هو في العالم المادي اليوم.وليس تابعا للتطورات التي تحدثها الآلة في علاقات البشر وأوضاعهم كما يدعي أنصار المادية المطموسون،الذين يحقرون دور الإنسان ووضعه،فيجعلونه تابعا للآلة الصماء وهو السيد الكريم!

وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان،ولا أن تستذله أو تخضعه أو تستعلي عليه وكل هدف ينطوي على تصغير قيمة الإنسان،مهما يحقق من مزايا مادية،هو هدف مخالف لغاية الوجود الإنساني.فكرامة الإنسان أولا،واستعلاء الإنسان أولا،ثم تجيء القيم المادية تابعة مسخرة.

والنعمة التي يمتن اللّه بها على الناس هنا - وهو يستنكر كفرهم به - ليست مجرد الإنعام عليهم بما في الأرض جميعا،ولكنها - إلى ذلك - سيادتهم على ما في الأرض جميعا،ومنحهم قيمة أعلى من قيم الماديات التي تحويها الأرض جميعا.هي نعمة الاستخلاف والتكريم فوق نعمة الملك والانتفاع العظيم.

«ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» ..

ولا مجال للخوض في معنى الاستواء إلا بأنه رمز السيطرة،والقصد بإرادة الخلق والتكوين [1] .كذلك لا مجال للخوض في معنى السماوات السبع المقصودة هنا وتحديد أشكالها وأبعادها.اكتفاء بالقصد

(1) - قصد إلى خلق السموات، فسوَّاهنَّ سبع سموات ..التفسير الميسر [1 /43]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت